“عين سوميا”.. ذاكرة الماء والحياة في قلب الوادي

ناعور – في أقصى الشمال الغربي من منطقة المشقر، ضمن نطاق سوميا التابعة للواء ناعور، تستقر عين سوميا في وادٍ عميق تحيط به التلال والانحدارات الصخرية، وكأن الطبيعة اختارت أن تخفي هذا المكان بعناية داخل تضاريسها الهادئة.
الطرق المؤدية إلى العين ضيقة ومتعرجة، تنساب بين الجبال والمنحدرات بحذر، لتمنح الزائر شعوراً بأنه يتجه نحو بقعة ما تزال تحتفظ بصفائها الأول وبساطة الحياة فيها.
وعلى امتداد الطريق، تتكشف ملامح الطبيعة شيئاً فشيئاً؛ سفوح خضراء، وصخور كلسية قديمة، وأشجار متناثرة تتشبث بحواف الوادي، فيما يزداد صوت الماء حضوراً كلما اقترب الزائر من العين، حتى يصبح المشهد أقرب إلى لوحة ريفية هادئة تعكس علاقة الإنسان القديمة بالمكان.
وتعد عين سوميا مصدراً مائياً طبيعياً رئيسياً يغذي منطقة زراعية غورية واسعة يعتمد عليها الأهالي في معيشتهم اليومية، إذ تسقي مساحات من الأراضي الزراعية التي تنتج الخضراوات والفواكه والتفاحيات واللوزيات والجوافة، التي ترفد الأسواق المحلية والسوق المركزي، ما يجعل العين شرياناً اقتصادياً وحياتياً لعشرات العائلات في المنطقة.
وأكد مواطنون أن علاقتهم بالعين ليست مجرد علاقة بمصدر ماء، بل علاقة بقاء واستمرار؛ لذلك اعتادوا على متابعة العين وصيانتها بأنفسهم، وإصلاح بعض الانهيارات أو الأعطال التي قد تؤثر على تدفق المياه، إدراكاً منهم أن أي خلل في هذا المورد ينعكس مباشرة على حياتهم الزراعية اليومية.
ورغم معرفة الجهات الرسمية، بأهمية العين، إلا أن الأهالي يرون أن مستوى الاهتمام ما يزال محدوداً ولا يصل إلى حجم الدور الذي تؤديه المنطقة، مطالبين بتوفير خدمات وبنية تحتية، لاستدامة هذا المورد الحيوي، وتحسين واقع المنطقة الزراعي والسياحي.
وفي السنوات الأخيرة، شهد محيط العين اهتماماً من دائرة الآثار العامة، حيث أجرت أعمال تنقيب كشفت عن بقايا طاحونة قديمة وآثارا لموقع أثري صغير، ما يعكس وجود امتداد تاريخي قديم للمكان، ويؤكد أن المنطقة كانت عبر الزمن مركزاً للحياة والاستقرار البشري. وأشار الباحث في التاريخ والتراث عبد الله المشاعلة، إلى أن اهتمام دائرة الآثار العامة بالموقع جاء نتيجة ما يحتويه من شواهد أثرية وتاريخية مهمة، تؤكد أن العين لم تكن مجرد مصدر للمياه، بل مركزاً للنشاط الإنساني الزراعي منذ فترات زمنية بعيدة. وأوضح أن بقايا الطاحونة القديمة والآثار المحيطة بالمكان تعكسان طبيعة الحياة التي كانت قائمة حول العين، وتعززان قيمتيها التراثية والتاريخية، لافتاً إلى أن عين سوميا تمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الشعبية في المنطقة، إذ ارتبطت بالزراعة والحياة اليومية والحكايات القديمة التي تناقلتها الأجيال، ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة ثقافية وبيئية في آن واحد.
وأكد المخرج الدكتور هاشم المشاعلة (مرتاد دائم للمكان)، أن عين سوميا تمتلك خصوصية بصرية وإنسانية نادرة، تجعلها من المواقع القليلة التي ما تزال تحتفظ بعفويتها الطبيعية وصفائها الأول، بعيداً عن التشويه أو التغيير، وهو ما يمنحها قيمة فنية كبيرة في نظر المخرجين والمهتمين بالصورة والمشهد البصري.
وقال المشاعلة “إن الطبيعة في عين سوميا تبدو وكأنها أُعدّت بعناية لتكون فضاءً مفتوحاً للأعمال الدرامية والوثائقية؛ فالوادي العميق، والتلال المحيطة، وتدرج الضوء بين الصخور والأشجار، كلها عناصر تشكل حالة بصرية متكاملة”.
أما خالد المرشود الجهران، فيتحدث عن عين سوميا بوصفها مكاناً يرتبط لديه بالراحة النفسية والهدوء العميق، مؤكداً أن الطريق إليها رغم صعوبتها تمنح الرحلة جمالاً خاصاً، وأن الجلوس قرب الماء والاستماع إلى صوته يخفف ضغوط الحياة ويمنح الزائر طمأنينة نادرة.
وقال الجهران “إن المكان ما يزال يحتفظ ببساطته وهدوئه، وأنه أصبح وجهة متكررة له ولعائلته، لأنه يمنحهم شعوراً بالسكينة والعودة إلى الطبيعة كما هي، من دون تكلف أو ازدحام”.
وأضاف عمر العمران، أن الجلوس قرب العين تجربة تأملية عميقة، يتحول فيها صوت الماء إلى حالة من الصفاء الداخلي والهدوء النفسي، مؤكداً أن المكان ما يزال يحتفظ بروحه الطبيعية وبساطته التي تمنح الزائر راحة حقيقية بعيداً عن صخب الحياة. كما أشار إلى أن العين ليست مجرد موقع طبيعي، بل جزء من ذاكرة الناس وحياتهم الزراعية الاجتماعية، وأكد أن المنطقة تحتاج إلى تحسين الطرق والخدمات وربطها بالمناطق المجاورة لتسهيل حياة الأهالي وتنشيط السياحة والزراعة، مع الحفاظ على طابعها البيئي الأصيل.
وأكد رياض عبدالكريم الطالب، أن المنطقة بحاجة ماسة إلى تحسين الطريق الواصلة إلى العين وفتح طرق تربطها بالمناطق المجاورة، لتسهيل حركة المزارعين ونقل المحاصيل، إضافة إلى دعم البنية التحتية، بما يتناسب مع أهميتها الاقتصادية.
وتبقى عين سوميا اليوم ليست مجرد عين ماء، بل مساحة تختزن تاريخا من الذاكرة الشعبية وما تزال تنبض بالحياة بين الأرض وأهل المنطقة، كما أكد أبناء المنطقة أنها جزء من هويتهم وذاكرتهم.

