محلّقات حزب الله أشباحٌ تعانق السماء ورعبٌ صامتٌ يفتك بجنود الاحتلال

مهدي مبارك عبدالله
لم تعد الجبهة الشمالية بالنسبة إلى إسرائيل مجرد ساحة اشتباك تقليدية يمكن احتواؤها بالقوة النارية أو التفوق التكنولوجي كما كان يحدث في مراحل سابقة بل تحولت إلى مختبر مفتوح لحرب استنزاف معقدة تتآكل فيها تدريجياً ركائز العقيدة العسكرية الإسرائيلية أمام خصم عنيد استطاع أن يبتكر أدوات قتال منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية وأن يحول السماء المنخفضة فوق جنوب لبنان إلى فضاء معادٍ يطارد الجنود والدبابات والمواقع العسكرية بلا هوادة وفي الوقت الذي بنت فيه إسرائيل لعقود طويلة صورة الجيش الذي لا يقهر والقادر على فرض الهيمنة الجوية المطلقة جاءت المسيّرات الانقضاضية التابعة لحزب الله لتقلب هذه المعادلة وتفرض واقعاً جديداً يقوم على الرعب الصامت والاستنزاف المتواصل والتفوق التكتيكي غير المتماثل
ما يجري اليوم على الحدود اللبنانية لا يمكن اختزاله بمجرد تطور تقني في استخدام الطائرات المسيّرة بل هو انتقال نوعي في فلسفة الحرب نفسها إذ نجح حزب الله في استثمار خبرات الحروب الحديثة وخصوصاً ما جرى في أوكرانيا ليعيد صياغة مفهوم الاشتباك ضد جيش يعتمد بصورة شبه كاملة على التكنولوجيا والرصد الإلكتروني والسيطرة الجوية فبدلاً من مواجهة إسرائيل بأدوات تقليدية باهظة الثمن اختار الحزب أن يضرب نقطة الضعف الأكثر حساسية في المنظومة الإسرائيلية وهي الثقة المطلقة بالتفوق التقني
المسيّرات الجديدة التي تعمل عبر الألياف الضوئية لا تمثل مجرد طائرات صغيرة مفخخة بل تشكل انقلاباً حقيقياً في ميزان الحرب الإلكترونية لأنها ببساطة خارج نطاق التشويش التقليدي فهذه المسيّرات لا ترسل إشارات راديوية يمكن اعتراضها أو التشويش عليها بل ترتبط بمشغلها عبر كابل دقيق من الألياف الزجاجية يجعلها معزولة بالكامل عن البيئة الكهرومغناطيسية وهو ما أفقد إسرائيل أهم سلاح اعتمدت عليه طوال سنوات في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية
هنا تبدو المفارقة قاسية بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فالدولة التي أنفقت مليارات الدولارات على أنظمة الدفاع الجوي والرادارات ومنظومات الحرب الإلكترونية تجد نفسها عاجزة أمام طائرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها بضع مئات من الدولارات وتحلق على ارتفاعات منخفضة للغاية وتظهر على شاشات الرصد في اللحظات الأخيرة أو لا تظهر إطلاقاً وهذه المعضلة ليست تقنية فحسب بل نفسية وعقائدية أيضاً لأنها تكشف هشاشة منظومة الردع الإسرائيلية أمام سلاح بسيط لكنه ذكي ومرن وفعال
اللافت في أداء حزب الله في هذه الجولة أن استخدام هذه المسيّرات لم يعد عملاً عشوائياً أو استعراضياً بل تحول إلى تكتيك احترافي دقيق يقوم على الرصد والمطاردة والاختيار المدروس للأهداف فالمشاهد التي بثها الإعلام الحربي للحزب أظهرت جنوداً إسرائيليين يفرون بشكل هستيري من أمام المسيّرات التي لاحقتهم حتى أبواب المواقع العسكرية والمقار المستحدثة وهو مشهد يحمل دلالات نفسية هائلة لأنه يكسر صورة الجندي الإسرائيلي المسيطر والمطمئن داخل تحصيناته ويقدمه كهدف مكشوف يطارده الخوف في كل لحظة
لعل المذهل في هذه الحرب الجديدة أن المسيّرة لم تعد تهاجم فقط بل أصبحت تفكر وتناور وتنتقي أهدافها بطريقة أقرب إلى الصياد المحترف والمشغل يجلس في مكان بعيد ويرى الهدف مباشرة عبر الكاميرا المثبتة في مقدمة المسيّرة ويستطيع أن يحدد نقطة الضعف بدقة جراحية سواء كانت فتحة تهوية في دبابة ميركافا أو زاوية رخوة في موقع عسكري أو حتى جندياً يحاول الاختباء خلف ساتر ترابي وهذا المستوى من الدقة جعل المسيّرة سلاحاً مرعباً يفوق في تأثيره النفسي أحياناً تأثير الصواريخ الثقيلة
أزمة إسرائيل الحقيقية لا تكمن فقط في الخسائر البشرية والمادية بل في انهيار الشعور بالأمان لدى الجنود والمستوطنين معاً فحين تصبح المسيّرة قادرة على التحليق فوق المستوطنات الشمالية بحرية وحين تتحول القواعد العسكرية إلى أهداف يومية وحين يضطر الجنود إلى استخدام شباك الصيد كوسيلة بدائية للحماية فإن ذلك يعني أن المؤسسة العسكرية دخلت مرحلة ارتباك استراتيجي حقيقي
إن اعترافات القادة الإسرائيليين وخبراء الأمن والإعلام العبري تعكس حجم الصدمة التي أحدثتها هذه المسيّرات بعدما اقر الجيش بأن هذا السلاح لا يملك له حلاً عملياً وحين يتحدث الجنود عن عجزهم الكامل أمام طائرات بالكاد يسمعون صوتها فإن ذلك يؤكد أن إسرائيل تواجه تحدياً يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى أزمة ثقة عميقة بقدرة الجيش على حماية قواته ومناطقه الحدودية
في قلب هذا المشهد يبرز تحول بالغ الخطورة في طبيعة الصراع حيث لم تعد الدبابات والمدرعات الإسرائيلية أدوات حسم كما كانت في العقود السابقة بل أصبحت أهدافاً مكشوفة من الأعلى فدبابة الميركافا التي طالما جرى تسويقها باعتبارها الأكثر تحصيناً في العالم تواجه اليوم تهديداً قاتلاً من السماء لأن تصميمها أساساً لم يكن معداً للتعامل مع هجمات عمودية دقيقة تضرب السطح العلوي الأقل سماكة وهكذا تحولت المسيّرات الصغيرة إلى كابوس يومي يلاحق سلاح المدرعات الإسرائيلي ويقوض هيبته تدريجياً
الأخطر بالنسبة إلى إسرائيل أن حزب الله لا يستخدم هذه المسيّرات كوسيلة دفاع فقط بل كأداة لفرض معادلة ردع جديدة قائمة على الاستنزاف الطويل والهدف ليس تحقيق انتصار سريع بل إنهاك الجيش الإسرائيلي وإغراقه في حالة استنفار دائم واستنزاف نفسي ومادي متواصل وهو ما يفسر حالة الهلع التي باتت تسود المستوطنات الشمالية وتعطيل الدراسة وإرباك الحركة المدنية والعسكرية على حد سواء
حزب الله بإرادة كاملة وتنظيم دقيق استطاع بناء شبكة تشغيل مرنة ومعقدة تعتمد على خلايا صغيرة موزعة جغرافياً يصعب تعقبها أو استهدافها وهذه الخلايا التي يطلق عليها الإسرائيليون اسم الصيادين تدير عمليات إطلاق المسيّرات بمهارة عالية مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة لجنوب لبنان ومن البيئة الحاضنة التي تجعل عمليات الرصد الإسرائيلية أقل فعالية وأكثر تعقيداً كما أن دخول المسيّرات المعتمدة على الألياف الضوئية إلى ساحة المعركة يكشف عن تطور نوعي في بنية حزب الله العسكرية والتكنولوجية فهذا السلاح لم يعد مجرد نسخة بدائية من مسيّرات تجارية بل أصبح جزءاً من منظومة قتال متكاملة تجمع بين الرصد والاستطلاع والانقضاض والاستنزاف النفسي ضمن عقيدة ميدانية متطورة تواكب أحدث أنماط الحروب الحديثة
في العمق تبدو إسرائيل اليوم أمام معضلة استراتيجية حقيقية لأن أي محاولة لتوسيع الحرب البرية داخل لبنان ستعني عملياً تعريض آلاف الجنود والآليات لخطر دائم من هذه المسيّرات التي تحلق بمحاذاة الأرض وتظهر فجأة وتنقض خلال ثوان وهذا ما يفسر حالة التردد والتخبط داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية بين الرغبة في التصعيد والخشية من الانغماس في مستنقع استنزاف مفتوح
عمليا وميدانيا أسقطت هذه المسيّرات كثيراً من المسلمات التي حكمت الصراع لعقود طويلة فلم يعد التفوق الجوي الإسرائيلي كافياً لحسم المعركة ولم تعد التكنولوجيا المتقدمة ضمانة للحماية ولم تعد الحدود الشمالية منطقة آمنة بالنسبة إلى المستوطنين بل تحولت إلى جبهة مفتوحة يسكنها القلق والرعب والترقب
ومن الواضح أن ما بات يقلق إسرائيل أكثر من الخسائر المباشرة هو المعنى الرمزي والاستراتيجي لهذا التحول فحين تتمكن قوة مقاومة غير نظامية من فرض معادلة ردع جوية على واحدة من أكثر الجيوش تطوراً في العالم فإن ذلك يعني أن ميزان القوى في المنطقة دخل مرحلة جديدة عنوانها أن التفوق لم يعد حكراً على من يمتلك الطائرات الأغلى والرادارات الأكبر بل على من يعرف كيف يحول نقاط ضعف خصمه إلى ساحة قتل واستنزاف دائم
خاتمة : في ضوء هذا المشهد تبدو المسيّرات الانقضاضية لحزب الله أكثر من مجرد سلاح عابر بل إعلان واضح عن ولادة مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط في مرحلة تتراجع فيها قيمة الجيوش الثقيلة أمام الحروب الذكية وتصبح فيها السماء المنخفضة مسرحاً لحرب نفسية وعسكرية مفتوحة لا تمنح الجنود الإسرائيليين لحظة اطمئنان واحدة بينما تواصل محلّقات حزب الله معانقة الأرض وخنق المحتل الإسرائيلي بصمت قاتل ودقة مرعبة وقدرة متصاعدة على إعادة رسم قواعد الاشتباك ومعادلات الردع في المنطقة بأسرها
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

