من كتاب التاريخ العالمي..طبعة عام 2326م

د. عاطف القاسم الشواشرة
==
الفصل الأخير: العرب في عصر الاستهلاك العظيم
وفي تلك الحقبة، لم تكن الأمم تُقاس بعدد ما تنتجه، بل بعدد ما تستهلكه ، وكانت الأمة العربية من أكثر الأمم شغفًا بالاستهلاك، حتى ظن بعض المؤرخين أنهم خُلقوا ليكونوا مستهلكا دائمًا لمنتجات الآخرين.
كان العربي في أوائل القرن الحادي والعشرين يستيقظ مبكرا حسب ساعته السويسرية الدقيقة ، وبيده هاتف صُنع في اليابان، ثم يشرب قهوته البرازيلية، ويقود سيارةً الألمانية، متأنقاً ببدلته الإيطالية، ثم يقضي يومه يشرح للناس — عبر تطبيقاتٍ أجنبية — كيف يمكن للثقة بالنفس أن تغيّر حياتهم.
في ذلك العصر، لم يكن العربي ينتج المعرفة، بل يستهلكها ، ولا يصنع التقنية، بل ينتظر تحديثاتها وكان أقصى طموحه أن يصبح “ترند” ليكون مؤثراً ، حتى بدا وكأن الترند صار أهم من الحقيقة، وأن عدد المشاهدات بات عند كثيرين أعلى قيمةً من المعنى.
كانت الأمم الأخرى تتسابق نحو الذكاء الاصطناعي، واستيطان الفضاء، والطاقة النظيفة، والهندسة الحيوية، وتكنولوجيا الحروب والتصنيع العسكري، تبني مختبراتها، وتطوّر علومها، وتعيد رسم مستقبل العالم ، بينما كان ملايين العرب منشغلين بتفاصيل المشاهير أكثر من انشغالهم بمصير أوطانهم؛ يتابعون انفصالات الفنانين، وفضائح المؤثرين، وتصريحات الممثلين، ويتجادلون لساعات حول صورةٍ نشرتها فنانة أو دموعِ مشهور في بث مباشر.
وقد سجّل المؤرخون بدهشة أن كثيرًا من الشباب العربي كان يعرف تفاصيل حياة المشاهير أكثر مما يعرف تاريخ بلاده أو علوم عصره ، وأن نقاشاتهم العميقة تدور حول الفلتر المناسب لتبدو وجوههم أنقى وأجمل.
أما التعليم، فقد تحوّل عند فئة كبيرة إلى سباقٍ نحو الشهادة لا المعرفة، ونحو الوظيفة لا الإبداع ، وكان الطالب يحفظ ليمتحن، ثم ينسى في غضون أسابيع ، ليتخرج غير فكقادر على مواجهة قضايا مجتمعه وينتظر الوظيفة المكتبية والراتب.
وفي الأسواق العربية، ازدهرت مهنة “صانع المحتوى”، حتى أصبح بعضهم يكسب في دقيقةٍ واحدة أكثر مما يكسبه باحث فضاء قضى عمره في المختبرات ، وهكذا تعلّم الجيل العربي أن الرقص أمام الكاميرا أهم من اختراع دواء، أو تصميم هندسي ابداعي ، وأن الجدل الفارغ أكثر ربحًا من القراءة.
أما لغة العرب فكانت تتآكل ببطء ، فالعربي يكتب بلغته ممزوجةً بنصف الإنجليزية ونصف الاختصارات، ثم يغضب إذا سألته الأمم الأخرى: أين مشروعكم الحضاري؟
ورغم أن المنطقة كانت تملك ثروات هائلة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وعددًا ضخمًا من الشباب، فإن معظم تلك الطاقات ذهبت في الاستهلاك واللهاث خلف ما ينتجه الآخرون ، حتى أصبحت الأمة سوقًا استهلاكية ضخم لا مصنعًا كبيرًا للمعرفة والتكنولوجيا.
ويختم المؤرخ هذا الفصل بقوله: لم تكن مأساة العرب يوما في قلة المال ولا ندرة العقول، بل في أمةٍ امتلكت كل أسباب النهوض ثم بدّدت عمرها تحدّق في الشاشات؛ تراقب العالم وهو يصنع المستقبل، بينما كانت منشغلة بتصوير نفسها واللهاث وراء عربة الحضارة والتكنولوجيا.

