كتاب “الزمن كحكاية”.. قراءة نقدية في تحولات الرواية العربية الحديثة

عمان- صدر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع كتاب بعنوان “الزمن كحكاية.. دراسات نقدية في الرواية العربية المعاصرة”، للدكتور زياد أبو لبن، الذي يقدم مجموعة من الدراسات النقدية تتناول تحولات الرواية العربية، وأسئلتها الفكرية والجمالية والإنسانية.
ويأتي الكتاب بوصفه محاولة لقراءة النص الروائي العربي من زوايا متعددة، تتقاطع فيها قضايا الزمن، والذاكرة، والهوية، والوعي مع البنية السردية والتحولات الاجتماعية والسياسية.
ويتناول الكتاب نماذج روائية من بلدان وتجارب مختلفة، تمتد من الرواية الأردنية والفلسطينية إلى الرواية المصرية الكلاسيكية والتجريبية، مع التركيز على القضايا التي شغلت الرواية العربية الحديثة، مثل الاغتراب، والفقد، والحنين، والقهر الاجتماعي، إلى جانب حضور المرأة والجسد وتحولات الوعي الفردي والجمعي داخل النص السردي.
يسلط الكتاب الضوء على التجارب الروائية التي تجاوزت البناء التقليدي للرواية، عبر توظيف تقنيات سردية حديثة تقوم على تعدد الأصوات وتشظي الزمن والرمزية والتخييل.
ويضم الكتاب ستة فصول نقدية، تتناول الرواية العربية من منظور ثقافي، جمالي وفكري، حيث يناقش علاقة الرواية بالمشهد الثقافي العربي، وآليات الزمن والذاكرة، وتجليات المرأة والهوية، إضافة إلى موضوعات القهر والاغتراب والبنية السردية الحديثة.
ويسعى المؤلف من خلال هذه الدراسات، إلى تقديم قراءة نقدية معمقة تكشف التداخل بين التجربة الإنسانية والبناء الفني، وتبرز قدرة الرواية العربية على التعبير عن التحولات الاجتماعية والوجودية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.
في مقدمة الكتاب، أشار المؤلف زياد أبو لبن إلى أن الرواية العربية لم تعد مجرد سردٍ للأحداث أو توثيقٍ للوقائع، بل غدت فضاءً تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الموروث الاجتماعي والتاريخي، بما يكشف عن الصراعات الإنسانية وأسئلة الهوية والغياب والحضور، والوعي والجمود، والفقد والانتماء.
ويضم هذا الكتاب مجموعةً من المقالات النقدية التي تتناول أعمالًا روائية متنوعة، سعيًا إلى قراءة الرواية العربية المعاصرة في ضوء تداخلاتها مع الزمن والذاكرة والجسد والوعي، إضافةً إلى علاقتها بالواقعين الاجتماعي والسياسي، وبالذات الإنسانية في اتصالها بالمجتمع وتحولاته.
وقال المؤلف: “إن المقالات المضمَّنة في هذا الكتاب تسعى إلى إضاءة جوانب متعددة من الرواية العربية، بدءًا من الرواية الأردنية وموقعها في المشهد الثقافي العربي، مرورًا بالرواية الفلسطينية بوصفها تجسيدًا لتجربتي النزوح والاغتراب، وصولًا إلى الرواية المصرية، في نماذجها الكلاسيكية والتجريبية، فضلًا عن النصوص الروائية الحديثة التي تتحدى البناء السردي التقليدي، وتوظف الرمزية والتخييل بأساليب مبتكرة”.
وأشار أبو لبن، إلى أن كل فصل من فصول الكتاب يفتح نافذةً على بُعد محدد من أبعاد القراءة النقدية، مثل: التاريخ والثقافة، والزمن والذاكرة، والمرأة والجسد، والقهر والاغتراب، والسرد الواقعي والرمزي، وتقنيات البناء السردي وتحولاته.
أما الفصل الأول، المعنون بـ”الرواية العربية والمشهد الثقافي”، فيقدم قراءةً موجزةً لأبرز التحولات التي شهدتها الرواية العربية، ويتتبع مكانة الرواية الأردنية ضمن فضاء النشر العربي، كما يسلط الضوء على تجارب روائية بارزة في مصر ولا سيما، ثيمتي الفقد والهوية في الروايتين “بداية ونهاية” و”الطريق” للروائي نجيب محفوظ، إلى جانب تجربة طه حسين في السيرة الأدبية بوصفها مواجهةً مع الزمن والذاكرة.
أما الفصل الثاني، المعنون بـ”الزمن والذاكرة والوعي النفسي”، فيتناول آليات تشكل الزمن والذاكرة في السرد الروائي، وكيف ينسج الروائي نصه بوصفه فضاءً يتقاطع فيه الوعي الفردي مع الوعي الجمعي. ويقدم الفصل قراءات في أعمال جمال ناجي، إلى جانب روايات تتناول الحنين والشتات والاغتراب، وتستكشف علاقة الذات بالماضي، وما يخلفه ذلك من أثر في تشكيل الوعي الشخصي.
وفي الفصل الثالث، “المرأة والجسد والهوية”: تتحرك القراءة النقدية في فضاء المرأة العربية وعلاقتها بالجسد وحقها في التعبير عن ذاتها ووعيها، من خلال مقاربة نصوص نوال السعداوي وتجارب روائية أخرى تناولت العنف الموروث والأدوار الاجتماعية المفروضة على المرأة، وصولًا إلى دراسة الرواية الكلاسيكية والمعاصرة في تمثيلها لدور المرأة وتحولات حضورها في النص السردي.
أما الفصل الرابع، “المجتمع والقهر والاغتراب”، فيسلط الضوء على البنى الاجتماعية المهيمنة، وعلى أشكال القهر التي يمارسها المجتمع باسم الأخلاق أو الدين، كما يتناول تجربة النزوح والاغتراب، حيث تتجلى في الرواية الفلسطينية وأعمال روائية أخرى، تطرح ثيمات الرحيل وفقدان الوطن، وما يتركه ذلك من أثر عميق في الوعي الفردي.
ويعالج الفصل الخامس، والمعنون بـ”السرد الواقعي والرمزي”، العلاقة الجدلية بين الواقعية والتخييل الرمزي، حيث تتحرك الرواية بين سرد الحدث المكثف والرمزية الدقيقة، وبين الواقعة التاريخية وأبعادها التأويلية، ليغدو النص فضاءً يتجاوز الحكاية الفردية نحو الشهادة على الواقع واستكشاف المعاني الكامنة خلف الظاهر.
أما الفصل السادس: “البنية السردية وتجارب النص”، فيسلط الضوء على آليات البناء السردي وتجارب الكتابة الروائية الحديثة، من تعدد الأصوات والرواة إلى تشظّي الزمن وفوضى السرد، ومن الانكسار البنيوي إلى تقنيات الإبهار والالتباس، بما يفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة النصوص المعاصرة وإشكالياتها الفنية والجمالية.
وأكد أبو لبن أن هذا الكتاب لا يدعي الإحاطة الكاملة بالرواية العربية المعاصرة، بقدر ما يسعى إلى تقديم قراءة نقدية دقيقة وموثقة للنصوص الروائية، من منظور يكشف التداخل بين الجمال الفني والتجربة الإنسانية، والالتزام الاجتماعي والسياسي.
ويرى، أن الرواية كما تُظهر هذه المقالات، ليست مجرد حكاية تُروى، بل فضاء رحب للصراع بين الذات والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، وبين الحلم والواقع، حيث تصبح القراءة النقدية أداةً لفهم البنية العميقة للنص، واكتشاف المعاني المضمرة خلف السطور، واستجلاء الدور الذي تؤديه الرواية العربية في تشكيل الوعي والحكاية والذاكرة.
وفي خضم هذا التنوع، يبقى القاسم المشترك بين النصوص التي تناولتها الدراسات هو السعي إلى كشف الحقيقة الإنسانية بكل ما تنطوي عليه من ألم وفقد وأمل، وبما تعكسه من صراعات وجودية واجتماعية وثقافية. ومن هنا، يقدم الكتاب نفسه بوصفه مرجعًا نقديًا ثريًا، ودليلًا مهمًا للقارئ والباحث معًا، لفهم الرواية العربية المعاصرة وأبعادها الفكرية والجمالية والاجتماعية.

