فَوْزُ يَاسِرَ عَبَّاس وَبِدَايَةُ تَوْرِيثِ النُّفُوذِ السِّيَاسِيِّ فِي حركة فَتْح !


مهدي مبارك عبدالله

قبل ايام قليلة أعلنت حركة فتح نتائج مؤتمرها الثامن وسط ضجيج إعلامي حاول تصوير ما جرى باعتباره عرسا تنظيميا وتجديدا ديمقراطيا داخل الحركة غير أن الحقيقة التي تلقفها الشارع الفلسطيني بسرعة كانت أكثر قسوة ووضوحا خاصة وان المؤتمر لم يحمل تحولا سياسيا حقيقيا ولا مراجعة لمسار الانهيار الوطني والتنظيمي الذي تعيشه الحركة منذ سنوات بل خرجت الوقائع بصورة أكثر إثارة للغضب بعدما كرّس صعود ياسر محمود عباس نجل رئيس السلطة الفلسطينية إلى أعلى هيئة قيادية في الحركة ( اللجنة المركزية ) في مشهد قرأه كثيرون بوصفه الخطوة الاولية الأخطر والأوضح نحو بدايات توريث النفوذ السياسي داخل النظام الفلسطيني

بحسب عدد من المراقبين والمتابعين لم يكن فوز ياسر عباس حدثا تنظيميا عاديا بقدر ما بدا كانه لحظة سياسية صادمة كشفت حجم التآكل الذي أصاب البنية الوطنية والتنظيمية لحركة تأسست أصلا على فكرة الكفاح الجماعي والتضحية والعمل الثوري المفتوح أمام جميع أبناء الشعب الفلسطيني لا أمام أبناء السلطة والعائلات النافذة والمسألة هنا لا تتعلق بصعود قائد ميداني أو أسير محرر أو شخصية صنعت حضورها داخل الأقاليم والساحات والمعتقلات بالعمل المتدرج بل بصعود رجل لم يعرفه الفلسطينيون يوما فاعلا او عاملا في تاريخ الكفاح والنضال الوطني بقدر ما عرفوه في عالم المال والأعمال والاستثمارات والشركات وجني الارباح وتوسيع المكتسبات
السؤال الذي يتردد اليوم بقوة داخل الشارع الفلسطيني ليس كيف فاز ياسر عباس بل من هو ياسر عباس أصلا بالنسبة للوجدان الوطني الفلسطيني سيما وان الرجل لم يرتبط اسمه بأي محطة نضالية كبرى ولم يكن يوما جزءا من البنية القيادية التاريخية لفتح ولم يعرف عنه حضور تنظيمي فعلي داخل الأطر الحركية أو العمل الجماهيري أو النقابي أو الطلابي كما انه لم يسجل له اي تاريخ في السجون أو المطاردات أو ساحات الاشتباك السياسي والشعبي بل ظهر اسمه لعقود طويلة بوصفه رجل أعمال تضخمت ثروته بالتوازي مع توسع نفوذ السلطة الفلسطينية وتعدد شبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بها

على غفلة من الناس وفجأة بدأ الرجل يهبط بالمظلة السياسية على مفاصل القرار وقبل سنوات قليلة فقط لا تزيد على الخمس جرى تقديمه رسميا تحت مسمى الممثل الخاص للرئيس والده وهو منصب رمزي وشكلي لم يكن معروفا في تاريخ حركة فتح مطلقا لكنه تحول تدريجيا إلى بوابة لعبور الابن ياسر عباس نحو المشهد السياسي حيث بدأت عملية تلميعه عبر الظهور في الوفود الرسمية والاجتماعات الدولية واللقاءات الأمنية والزيارات الخارجية في محاولة واضحة لتقديمه كوريث سياسي يجري إعداده بهدوء لمرحلة ما بعد محمود عباس

وفق العادات والتقاليد السياسية ان صعود الوريث لا يكتمل إلا بإعادة ترتيب موازين القوة داخل الحركة فقد تحدثت مصادر فتحاوية عديدة عن ضغوط وتهديدات مورست داخل المؤتمر لضمان انتخاب ياسر عباس إلى جانب شخصيات مقربة من الدائرة المحيطة بالرئيس فيما جرى إقصاء أو تهميش أسماء تاريخية وقيادات تنظيمية أقدم وأكثر حضورا وتأثيرا داخل الحركة

ما جعل حالة الغضب تتضاعف ليس فقط غياب التاريخ النضالي لياسر عباس بل تراكم الاتهامات والفضائح المالية التي لاحقت اسمه واسم شقيقه طارق عباس طوال السنوات الماضية ففي عام 2012 نشرت تقارير إعلامية عديدة معلومات خطيرة تتحدث عن تورط ياسر عباس مع اللواء نضال أبو دخان قائد الأمن الوطني آنذاك في عمليات تهريب أطنان من الذهب من الأردن إلى الأراضي الفلسطينية عبر شبكات نفوذ وحماية أمنية مستغلة سيارات ومواكب السلطة الرسمية حيث تحدثت تلك التقارير ايضا عن عمليات تهريب استمرت سنوات وحققت عشرات الملايين وسط اتهامات باستغلال النفوذ السياسي والأمني لتحقيق ثروات خاصة على حساب الاقتصاد الفلسطيني والأردني

الغريب ان الاتهامات لم تتوقف عند الذهب والمال بل امتدت لاحقا إلى ملفات أكثر خطورة وحساسية تتعلق بالتراث الوطني الفلسطيني نفسه ففي أواخر عام 2025 انفجرت فضيحة جديدة بعدما كشف تحقيق مصور ووثائق إعلامية عن اتهامات موجهة لطارق عباس نجل الرئيس الفلسطيني بالتورط في شبكات تهريب آثار فلسطينية إلى الخارج عبر وسطاء وشبكات دولية مستفيدا من النفوذ العائلي والحصانة السياسية حيث تحدثت تلك التقارير عن سرقة قطع أثرية من مواقع فلسطينية وتهريبها خارج البلاد في واحدة من أخطر القضايا التي مست الهوية التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني

الحديث لم يعد يدور فقط عن أبناء رئيس يستفيدون من النفوذ السياسي والاقتصادي بل عن طبقة كاملة راكمت الثروات والنفوذ فوق جراح شعب يعيش الحصار والبطالة والفقر والدمار والابادة الجماعية بينما تتحول السلطة تدريجيا من مشروع تحرر وطني إلى منظومة مصالح مالية وعائلية مغلقة تدار وفق مفهوم الشللية والمحسوبيات
ما يجعل المشهد أكثر قسوة أن هذا الصعود جاء على حساب آلاف الكوادر الفتحاوية التي دفعت أعمارها في السجون والمنافي والمطاردات فهناك مناضلون أفنوا حياتهم داخل الحركة وخسروا أبناءهم وأعمارهم ولم يصلوا إلى ما وصل إليه ياسر عباس خلال سنوات قليلة فقط بفضل اسم العائلة ونفوذ الأب واعوانه وهو ما جعل كثيرين داخل فتح يعتبرون ما جرى إهانة مباشرة لتاريخ الحركة وتضحيات أبنائها على مر السنين

العديد من القواعد الفتحاوية بصدق انتمائها ووفائها لمسيرتها النضالية ووطنها كانت تنتظر مؤتمرا يعيد الاعتبار لفكرة الإصلاح والتجديد والديمقراطية الا ان المؤتمر الثامن جاء ليؤكد من جديد أن النظام السياسي الفلسطيني يزداد انغلاقا وأن مراكز القرار باتت تدار بعقلية الولاء الشخصي والعائلي لا بعقلية الكفاءة والاستحقاق والشرعية الوطنية

معظم الفلسطينيون كانوا ينتظرون انتخاب وفرز قيادة تعيد لهم الثقة والأمل فإذا بهم يصطدمون بمشهد يعيد إنتاج الاحباط واليأس نفسه بصورة لكن أكثر فجاجة وكأن السلطة التي فشلت في بناء الدولة قررت أخيرا أن تورث ما تبقى من أنقاضها داخل العائلة نفسها بينما يبقى الشعب الفلسطيني وحيدا يدفع ثمن الاحتلال والانقسام والفساد وتآكل الحلم الوطني يوما بعد يوم

مع انتظار اللحظة التي كان ينبغي فيها أن تنهض فتح من تحت ركام الانهيار لتستعيد روحها الأولى كحركة تحرر وطني إذا بها تنزلق أكثر نحو نموذج السلطة العائلية المغلقة حيث اصبح اسم العائلة أقوى من تاريخ المناضلين وقرب الى مركز النفوذ وأهم من عذابات السجون وارواح الشهداء وقساوة المطاردات وكأن الدم الفلسطيني الذي سفح لعقود طويلة لم يعد كافيا لصناعة القادة بينما تكفي اليوم بطاقة العائلة وممرات القصور لصناعة الورثة الاثرياء

ربما لم يكن عبثا أن تتحدث تقارير دولية وصحف كبرى مثل نيويورك تايمزعن دعم محمود عباس المباشر لصعود نجله ولا أن تتحدث شخصيات فتحاوية عن ضغوط وتحالفات جرى ترتيبها مسبقا لتمريره إلى اللجنة المركزية فالمشهد كله بدا أقرب إلى عملية إعداد سياسي ممنهجة لمرحلة الخلافة أكثر من كونه تنافسا تنظيميا طبيعيا داخل حركة تحرر وطني بل إن بعض الأصوات داخل فتح ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن ما يجري ليس مجرد توريث نفوذ بل محاولة لإعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية على صورة السلطة الأمنية والاقتصادية الضيقة بحيث تصبح فتح مجرد واجهة بيروقراطية فاقدة للروح الثورية التي تأسست عليها

الأكثر إثارة للمرارة أن هذا الصعود يتزامن مع استمرار صعود أسماء نضالية تحظى بشرعية شعبية حقيقية مثل الأسير مروان البرغوثي الذي ما زال رغم سنوات السجن الطويلة يحصد أعلى الأصوات داخل قواعد حركة فتح وهو ما يعكس الفارق الهائل بين من يصنعه التاريخ النضالي ومن تصنعه غرف النفوذ والصفقات الداخلية

أخطر ما في صعود ياسر عباس ليس شخصه وحده بل الرسالة السياسية الكامنة خلفه وهي أن النظام الفلسطيني الرسمي لم يعد قادرا على إنتاج قيادة وطنية مقنعة خارج دائرة العائلة والأجهزة والمصالح وأن الحديث عن الإصلاح والتجديد والديمقراطية لم يعد سوى شعارات ترفع للاستهلاك الخارجي بينما يجري في الداخل ترتيب البيت السياسي على قاعدة الولاء والوراثة وإعادة إنتاج الأزمة نفسها بوجوه جديدة وحين تصل حركة بحجم فتح إلى لحظة يصبح فيها ابن الرئيس مرشحا طبيعيا للصعود السريع رغم غياب التاريخ النضالي والتنظيمي فإن السؤال الحقيقي لا يعود من هو ياسر عباس بل ماذا تبقى من فتح نفسها ومن المشروع الوطني الفلسطيني حين تتحول حركة الثورة إلى ساحة صراع على الإرث والنفوذ والمصالح بينما يرزح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال والحصار والجوع والدمار

ختاما : قد لا تكون المشكلة أزمة انتخابات داخلية فقط بل إعلان رسمي عن إفلاس سياسي وأخلاقي كامل وريما لن يتذكر الفلسطينيون بعد سنوات عدد الأصوات التي حصل عليها ياسر عباس بقدر ما سيتذكرون تلك اللحظة الثقيلة التي شعروا فيها أن الوطن الذي دفعوا لأجله أعمارهم ودماءهم وحياة ابنائهم بات يدار بعقلية الميراث وأن الثورة الفلسطينية التي أنجبت آلاف الشهداء والأسرى انتهت أخيرا إلى توريث المقاعد لاستمرار السيطرة والنفوذ لا من اجل تحرير الأرض والإنسان

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.