ومن زاوية حادة … يوم الاستقلال (2)// د. باسم محمد القضاة

الاستقلال في معناه العميق ليس أن يرحل المستعمر فقط، بل أن تتوقف الأمة عن العيش بعقلية “الانتظار”. انتظار الوظيفة، وانتظار الحلول، وانتظار المعجزات، وانتظار أن يأتي التغيير من فوق أو من الخارج. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية، وهنا أيضًا يبدأ السؤال المؤلم: هل نحن مستقلون فعلًا إذا كنا عاجزين عن إنتاج قوتنا الاقتصادية، أو بناء وعي نقدي، أو حماية شبابنا من الإحباط؟
الجرأة في الحديث عن الاستقلال تقتضي الاعتراف بأن أخطر ما يهدد الأوطان اليوم ليس الجيوش وحدها، بل التآكل البطيء من الداخل. حين يتحول الفساد إلى “أمر معتاد”، والواسطة إلى مهارة اجتماعية، والصمت إلى أسلوب نجاة، فإن الوطن يخسر جزءًا من استقلاله المعنوي حتى لو بقيت حدوده آمنة.
لكن المشكلة أيضًا أن بعض الناس يفهم الوطنية على أنها تصفيق دائم، بينما الوطنية الحقيقية قد تكون في النقد الصادق. فحب الوطن لا يعني أن نغطي أخطاءه، بل أن نرفض أن تتحول الأخطاء إلى قدر دائم. الوطن القوي لا يخاف من الأسئلة الصعبة، بل يضعها على الطاولة ويواجهها.
ومن جهة أخرى، لا يجوز أن يتحول الخطاب النقدي إلى جلد جماعي لليأس. فالأردن، رغم أزماته، ما زال يمتلك شيئًا نادرًا في المنطقة: القدرة على البقاء والتماسك. وهذا ليس أمرًا بسيطًا ولا صدفة تاريخية. لكن البقاء وحده لم يعد كافيًا لجيل يريد حياة كريمة وفرصًا حقيقية وشعورًا بأن المستقبل ليس مغلقًا.
الجيل الجديد اليوم لا يريد فقط أن يسمع قصص البطولات القديمة، بل يريد أن يكون له دور في بطولة جديدة. يريد أن يشعر أن الوطن يفتح له الطريق لا أن يطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية. وهنا تصبح معركة الاستقلال الحديثة معركة كفاءة وعدالة وتعليم وإنتاج، لا مجرد خطابات عاطفية.
الاستقلال أيضًا ليس أن نرفع العلم يومًا في السنة، ثم نخفض سقف أحلامنا بقية الأيام. الاستقلال الحقيقي أن يكون المواطن قادرًا على أن يعيش بكرامة دون خوف، وأن ينجح دون واسطة، وأن يعبّر دون قلق، وأن يشعر أن مجهوده يمكن أن يغيّر حياته فعلًا.
لهذا فإن السؤال لم يعد: “ماذا فعل الأجداد كي نستقل؟”
بل: ،،هل نحن نبني وطنًا يستحق أن يبقى مستقلًا بعد خمسين سنة أخرى؟”
هذا السؤال قاسٍ، لكنه صادق. والدول التي تجرؤ على مواجهة الأسئلة القاسية هي وحدها التي تنجو.

