مكانة الحصان في الثقافتين الصينية والعربية


الدكتور موفق العجلوني

==

 

بقلم /  السفير الدكتور موفق العجلوني 

 

في مشهد ثقافي بدعوة من المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة و المركز الثقافي الصيني في عمان وبحضور سمو الأميرة وجدان الهاشمي رئيسة مجلس أمناء المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، و معالي وزير الثقافة مصطفى الرواشدة و سعادة السفير الصيني قوه  وي لدى المملكة ، تشرفت بالمشاركة في  المعرض الصيني ” رقص الحصان في استقبال الربيع – المعرض العالمي لثقافة الأبراج الحيوانية الصينية لعام حصان بينغ وو”، و الذي أقيم في المتحف الوطني الأردني في جبل اللويبدة  .

 

حقيقة اعادني العرض الصيني ” لرقص الحصان في استقبال الربيع ” الى عام 1987 في العاصمة الاسترالية كانبرا حيث كان ابني رعد ابن الثلاث سنوات يمتطي الحصان ( البوني ) في أيام الربيع على بحيرة كانبرا الجميلة ، و بنفس الوقت اعادني العرضالى عام 1999 الى ضواحي العاصمة التشيلانيةسنتياغو حيث كان هنالك عرض لاختيار ملكة جمال الخيول العربية و كانت الخيول العربيةً في قمة اناقتها و القها و رقصاتها و هي تبهر جمهور الحاضرين من السفراء و الدبلوماسيينو منابناء الجاليات العربية الذين تعود هجرتهم الى تشيلي عام 1850 .

 

ويأتي افتتاحً معرض «رقص الحصان في استقبال الربيع – المعرض العالمي لثقافة الأبراج الحيوانية الصينية لعام حصان بينغ وو» في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في العاصمة عمّان، ليؤكد من جديد أن الحصان ليس مجرد حيوان ارتبط بالتاريخ، بل رمز حضاري وإنساني يجسد القوة والجمال والوفاء والانطلاق.

 

وقد شكّل هذا المعرض مناسبة فريدة للحوار بين حضارتين عريقتين، هما الحضارة الصينية والحضارة العربية، اللتان التقتا عند تقديرهما العميق للحصان بوصفه كائنا يحمل دلالات ثقافية وروحية متجذرة في الوجدان الشعبي.

 

وفي كلمته الافتتاحية،أكد سعادة السفير الصيني قوه وي أن الحصان يحتل مكانة رفيعة في الثقافتين الصينية والعربية، مشيراً إلى أن هذا التقدير المشترك يخلق جسوراً إنسانية تتجاوز المسافات الجغرافية.

 

ويأتي هذا المعرض احتفاءً بعام 2026 الذي يُعرف في التقويم القمري الصيني بعام «حصان بينغ وو»، حيث يضم المعرض مئات الصور والقطع الفنية التي تستعرض حضور الحصان في الفنون الشعبية والتاريخ والبيئة والثقافة الصينية.

 

وإذا كان الحصان يمثل في الثقافة الصينية رمزاً للحيوية والنجاح والطاقة المتجددة مع قدوم الربيع، فإنه في الحضارة العربية ارتبط بالمجد والشرف والفروسية. فالخيول العربية الأصيلة تعد من أعرق سلالات الخيل في العالم، وقد عرفت بجمالها الفريد وسرعتها وقوة تحملها ووفائها لصاحبها.

 

ولم تكن الخيل عند العرب مجرد وسيلة للتنقل أو القتال، بل كانت شريكاً في الحياة اليومية ورمزاً للعزة والكرامة، حتى ارتبطت أسماء القبائل والفرسان بخيولهم التي حفظها التاريخ في القصص والأساطير والمعارك.

 

وقد احتلت الخيل مكانة عظيمة في التراث الإسلامي، حيث ورد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، دلالة على أهميتها وقيمتها. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة العاديات: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، وهي آيات تصف اندفاع الخيل في المعارك وما يصاحبها من قوة وهيبة. كما يقول سبحانه في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، في إشارة إلى دور الخيل في حماية الأوطان وصون الكرامة.

 

أما في الشعر العربي، فقد كانت الخيل حاضرة بقوة في قصائد الفخر والحماسة. فقد تغنى الشعراء بجمالها وسرعتها وشجاعتها، ومن أشهر ما قيل فيها قول المتنبي:

 

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفنيوالسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

 

فقد جعل المتنبي الخيل شاهداً على البطولة والمجد. كما وصف عنترة بن شداد فرسه في معلقته بوصف يمزج بين القوة والعاطفة، إذ كانت الخيل عند الفرسان رفيقة درب لا تقل مكانة عن الإنسان نفسه.

 

إن معرض «رقص الحصان في استقبال الربيع» لا يقدم لوحات وصوراً فنية فحسب، بل يفتح نافذة واسعة على المعاني الإنسانية المشتركة بين الشعوب. فالحصان هنا يتحول إلى لغة عالمية للفن والتراث والحضارة، وإلى رمز للتواصل الثقافي بين الصين والأردن، بما يعكس قدرة الفن على بناء جسور المحبة والتفاهم بين الأمم.

 

وفي ظل العلاقات المتنامية بين الصين والأردن، تأتي هذه الفعاليات الثقافية لتؤكد أن الحوار الحضاري لا يقوم فقط على المصالح السياسية والاقتصادية، بل أيضاً على تبادل الرموز والقيم الإنسانية التي توحد الشعوب. ومن بين تلك الرموز يبقى الحصان، في الشرق والغرب، عنواناً للنبل والقوة والانطلاق نحو المستقبل .

 

وفي ختام حديثي كلمة حق اقولها في هذه المناسبة الثقافية الهامة التي تعبر عن عمق العلاقات بين المملكة الأردنية الهاشمية و جمهورية الصين الشعبية ،  لا بد من الإشادة بالدور البارز الذي يضطلع به سعادة السفير الصيني الصديق قوه وي من خلال نشاطاته المتواصلة على كافة المستويات في تعزيز العلاقات الأردنية الصينية، وترسيخ جسور التعاون الثقافي والإنساني بين البلدين الصديقين. وهي سنة دأب عليها جميع السفراء الصينيين السابقين الذين اعتمدوا في المملكة، والذين تربطني بهم علاقات قائمة على التقدير والاحترام المتبادل، إذ كانوا دائماً نموذجاً للسفراء الأوفياء لبلادهم، الحريصين على تمثيلها بأفضل صورة وتعميق أواصر الصداقة والتفاهم مع الأردن .

 

المدير العام

مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

muwaffaq@ajlouni.me

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.