مع احباط واشنطن وتصلب طهران هل يلوح في الأفق اتفاق عاجل بين الطرفين ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

لم يعد التراجع الأميركي المفاجئ عن الضربة العسكرية التي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أقرها تجاه إيران مجرد تفصيل عابر في مشهد الصراع المحتدم بل بات مؤشراً عميق الدلالة على أن واشنطن نفسها دخلت مرحلة إعادة حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز حدود المواجهة التقليدية وتكشف أن الإدارة الأميركية وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت تتصور خاصة وان الحرب التي جرى التلويح بها باعتبارها عملية خاطفة لإخضاع طهران تحولت تدريجياً إلى أزمة مفتوحة تحمل أخطاراً استراتيجية كبرى تمتد من مضيق هرمز إلى أسواق الطاقة العالمية وصولاً إلى الداخل الأميركي المثقل بالتضخم والقلق الانتخابي والانقسام السياسي

في خضم هذا المشهد المربك بدأت تتشكل ملامح حراك دبلوماسي إقليمي ودولي واسع تقوده باكستان بصورة أساسية وبغطاء سياسي غير معلن من الصين إلى جانب انخراط أطراف إقليمية أخرى مثل قطر والسعودية وتركيا ومصر في محاولة لصياغة تسوية مؤقتة تمنع انفجار المنطقة مجدداً وتفتح الباب أمام تفاوض طويل وشاق بين واشنطن وطهران والمعلومات المتقاطعة الصادرة عن العواصم المعنية توحي بأن الاتصالات لم تعد مجرد تبادل رسائل بل تحولت إلى عملية هندسة سياسية معقدة لبناء اتفاق مرحلي يوقف التصعيد ويؤسس لمسار تفاوضي أوسع

اللافت في هذا الحراك أن باكستان لم تعد تؤدي دور ساعي البريد الدبلوماسي بل أصبحت عملياً غرفة اتصال رئيسية بين الطرفين حيث تكثفت زيارات كبار المسؤولين الباكستانيين إلى طهران بصورة غير مسبوقة وفي مقدمتهم وزير الداخلية محسن نقوي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير وهو ما يعكس انتقال الوساطة من المستوى البروتوكولي إلى مستوى التفاوض الأمني والسياسي العميق خاصة مع امتلاك إسلام آباد علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران في آن واحد وقدرتها على التحرك بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاستقطابات الحادة

يبدو ان دخول الصين على خط الوساطة منح هذا المسار زخماً إضافياً خصوصا وان بكين التي تراقب بقلق أي تهديد لاستقرار الخليج وإمدادات الطاقة العالمية تدرك أن استمرار الحرب سيؤدي إلى تسريع الانهيارات الاقتصادية الدولية وربما يدفع النظام المالي العالمي إلى تحولات غير محسوبة لذلك فإن التحرك الصيني لا يقتصر على دعم جهود التهدئة بل يتصل أيضاً بمحاولة حماية مشروعها الاقتصادي العالمي ومنع واشنطن من استخدام الفوضى العسكرية لإعادة فرض الهيمنة المطلقة على طرق الطاقة والتجارة

في المقابل تدرك الإدارة الأميركية أن الخيارات العسكرية لم تعد مضمونة النتائج كما كانت تتصور والتقارير الاستخبارية الأميركية نفسها تشير إلى أن إيران استعادت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة وأن الضربات السابقة لم تحقق الحسم المطلوب بل ربما دفعت طهران إلى إعادة توزيع بنيتها العسكرية بصورة أكثر مرونة وتعقيداً كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو حتى التلويح الجدي بذلك وضع الاقتصاد الأميركي والغربي أمام احتمالات كارثية مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتصاعد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي شبيه بأزمة عام 2008

من هنا يمكن فهم سبب التردد الأميركي في الذهاب نحو مواجهة شاملة رغم التصريحات النارية التي يطلقها ترامب بين الحين والآخر فإن سحب قرار الضربة العسكرية في اللحظات الأخيرة عكس وجود تيار قوي داخل واشنطن يحذر من الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف القدرات الأميركية وتفجر المنطقة بالكامل خصوصاً في ظل انقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه وتصاعد الاعتراضات داخل الكونغرس على استمرار العمليات العسكرية دون تفويض واضح إضافة إلى تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل المجتمع الأميركي

على الجانب الاخر تتعامل إيران مع المفاوضات بعقلية شديدة الحذر والشك وهي ترى أن واشنطن قد تستخدم التهدئة المؤقتة كخدعة تكتيكية لإعادة التموضع والاستعداد لجولة جديدة من الضربات ولذلك تحاول طهران ربط أي اتفاق بضمانات سياسية واقتصادية واضحة تشمل وقف الحرب بشكل كامل والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة ووقف استهداف السفن الإيرانية وإنهاء سياسة الضغوط القصوى كما تتمسك بحقها في التخصيب النووي باعتباره قضية سيادية غير قابلة للتنازل الكامل

المعطيات والمؤشرات العملية تشير إلى أن الملف النووي لم يعد القضية الوحيدة المطروحة على الطاولة بل أصبح جزءاً من سلة أوسع تشمل أمن الخليج ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي الإيراني وحتى شكل التوازنات المستقبلية في المنطقة وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أمراً بالغ التعقيد لأن كل طرف يحاول انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية قبل تثبيت أي تفاهم دائم

في خلفية المشهد تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من أي تسوية محتملة وحكومة بنيامين نتنياهو ترى أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية والصاروخية الإيرانية سيمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قوتها بصورة أكبر لذلك تتعامل تل أبيب بريبة شديدة مع المسار التفاوضي الحالي وتحاول دفع واشنطن نحو إبقاء خيار الحرب قائماً وهو ما ظهر بوضوح في التوتر الذي رافق الاتصالات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو حول مستقبل التعامل مع إيران

الإدارة الأميركية بدورها تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع لا تفجيره وترامب الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية وانتخابية متزايدة يدرك اكثر أن أي حرب واسعة قد تتحول إلى عبء سياسي هائل يهدد مستقبله الداخلي خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد القلق الشعبي من التداعيات الاقتصادية للحرب لذلك يحاول الجمع بين سياسة العصا والجزرة عبر الإبقاء على التهديد العسكري قائماً بالتوازي مع فتح نافذة تفاوضية تمنحه فرصة تحقيق اختراق سياسي دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة

كما أن واشنطن باتت تدرك أن استمرار الحرب سيمنح الصين وروسيا فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهما العالمي عبر تقديم نفسيهما كقوتين داعمتين للاستقرار والتسويات السياسية مقابل صورة أميركية مرتبطة بالفوضى والعقوبات والحروب وهو ما يفسر الاهتمام الأميركي بعدم خسارة المعركة الجيوسياسية الأوسع حتى لو اضطرت إلى تقديم تنازلات تكتيكية مؤقتة

في ضوء تشابك المصالح الدولية وتعقيدات الميدان يبدو أن احتمال الوصول إلى اتفاق مرحلي يبقى أقرب من سيناريو الانفجار الشامل على الأقل في المدى القريب لأن واشنطن تدرك أن أي حرب واسعة ومفتوحة ستدفع الاقتصاد العالمي نحو اضطرابات خطيرة فيما تعرف طهران أن استمرار التصعيد دون أفق سياسي قد يفتح الباب أمام استنزاف طويل يرهق الداخل الإيراني ويضاعف الضغوط عليها لذلك تبدو كل الأطراف وكأنها تسير نحو صيغة تهدئة مؤقتة تحفظ ماء الوجه وتؤجل الملفات الأكثر تفجيراً إلى مرحلة لاحقة

لكن في المقابل فإن هشاشة الثقة بين الطرفين وحجم الضغوط الإسرائيلية والانقسامات داخل مراكز القرار الأميركية والإيرانية تجعل أي تفاهم معرضاً للانهيار عند أول اختبار جدي وهو ما يعني أن المنطقة ستبقى واقفة على حافة الاحتمالين معاً تفاهم مؤقت قابل للاهتزاز أو عودة سريعة إلى الخيار العسكري إذا تعثرت المفاوضات أو شعر أحد الأطراف أن الوقت لم يعد يعمل لصالحه

بعد تزايد الضغوط على الارئيس الامريكي دونالد ترامب من صقور مجلس الشيوخ لا سيما لجنة القوات المسلحة لإفساح المجال أمام الجيش لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية خاصة بعد تقارير الاستخبارات التي أكدت تعافي خطوط إنتاج المسيرات والصواريخ لدى طهران خلال فترة التهدئة وبدء شعوره بإحباط متصاعد نتيجة ركود المسار الدبلوماسي واستمرار التصعيد فقد طرح ترامب فكرة تنفيذ عملية عسكرية كبرى وأخيرة تستهدف البنية التحتية لخصومه بشكل غير مسبوق ثم إعلان النصر رسميا وإنهاء الحرب من موقع القوة

مع ذلك فإن المؤشرات الحالية توحي بأن أي مواجهة قادمة إن وقعت فلن تكون حرباً طويلة بالمعنى التقليدي بل أقرب إلى ضربات عسكرية خاطفة ومحدودة ومحسوبة السقف هدفها إعادة فرض شروط التفاوض وتعديل موازين الضغط لا الذهاب إلى احتلال أو حرب استنزاف شاملة لأن الجميع يدرك أن إشعال المنطقة بالكامل قد يخرج الأحداث من قدرة أي طرف على التحكم بمساراتها أو نتائجها

ختاما : يبقى السؤال مفتوحًا على كافة الاحتمالات هل يقترب الطرفان من لحظة تفاهم تاريخي يعيد رسم قواعد الاشتباك أم أن المسار برمته سينزلق مجددًا إلى نقطة الصفر ويعود الى التصعيد العسكري كخيار أخير لا يمكن استبعاده

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.