الوظيفة العامة بين زخم الملفات وجودة المخرجات !!


محامي محمد صدقي الغرايبة

 

في مختلف المهن والوظائف، تبقى القاعدة ثابتة، وهي أن جودة المخرجات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحجم العمل الملقى على عاتق الموظف؛ فكلما ازداد عدد الملفات أو المعاملات أو القضايا التي يتعين عليه إنجازها ضمن وقت محدد، تراجعت قدرته على منح كل ملف ما يستحقه من دراسة وتمحيص وعناية.

ولا يقتصر هذا الأثر على وظيفة دون أخرى، بل يشمل جميع القطاعات تقريباً، إلا أن تأثيره يظهر بصورة أكثر وضوحاً في المهن التي تتعلق بحقوق الناس وحياتهم ومستقبلهم، وفي مقدمتها القضاء والطب.

فالقاضي لا يصدر حكماً على أوراق جامدة، وإنما يفصل في حقوق ومراكز قانونية ومصالح قد تكون مصيرية لأطراف النزاع. وعندما تتراكم أمامه أعداد كبيرة من الدعاوى والملفات، فإن الوقت المتاح لدراسة كل قضية ينخفض تلقائياً، مما ينعكس على قدرة القاضي على الإحاطة بجميع الوقائع والبينات والدفوع القانونية. ورغم ما يتمتع به القضاة من خبرة وكفاءة واقتدار، فإن الطاقة البشرية تبقى محدودة، والعدالة تحتاج إلى وقت بقدر حاجتها إلى المعرفة والنزاهة.

والأمر ذاته ينطبق على الطبيب، الذي يتعامل مع صحة الإنسان وحياته. فكلما ازداد عدد المرضى الذين يتوجب عليه معاينتهم خلال فترة زمنية قصيرة، قل الوقت المخصص لكل مريض، وأصبح من الصعب التعمق في دراسة الأعراض والتاريخ المرضي والنتائج المخبرية بالصورة المثلى، مما قد يؤثر في دقة التشخيص أو جودة الرعاية الصحية المقدمة.

إن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في كفاءة الموظف أو إخلاصه، وإنما في حجم العبء الذي يفوق القدرة البشرية الطبيعية على الإنجاز المتقن. فالموظف المثقل بعشرات الملفات يومياً، والقاضي الذي ينظر مئات القضايا سنوياً، والطبيب الذي يستقبل أعداداً كبيرة من المرضى خلال ساعات محدودة، جميعهم يواجهون التحدي ذاته: كيف يمكن المحافظة على الجودة في ظل ضغط الكم؟

ومن هنا تبرز أهمية التخطيط الإداري السليم، وتوزيع الأعمال بصورة عادلة، وزيادة الكوادر البشرية عند الحاجة، والاستفادة من التقنيات الحديثة التي تسهم في تخفيف الأعباء الإجرائية، بحيث يتفرغ أصحاب الاختصاص للمهام الجوهرية التي تتطلب التفكير والتحليل واتخاذ القرار.

إن المؤسسات الناجحة لا تقيس الأداء بعدد الملفات المغلقة أو المعاملات المنجزة فحسب، بل تقيسه أيضاً بجودة المخرجات ودقتها وأثرها. فالإنتاج الغزير لا يحقق الغاية المرجوة إذا جاء على حساب الجودة، كما أن السرعة وحدها لا تكفي إذا أضعفت دقة القرار أو سلامة النتيجة.

ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الكم والكيف، لأن الإنسان مهما بلغت كفاءته يحتاج إلى وقت كافٍ ليبدع، وإلى عبء معقول ليحسن الأداء. وعندما يتحقق هذا التوازن، ترتفع جودة الخدمات، وتتوطد الثقة بالمؤسسات، ويشعر المواطن بأن حقه قد نال ما يستحقه من عناية.
دمتم بخير
المحامي محمد صدقي غرايبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.