الأردن أُغْنِيَةُ الظُّبَى “سِيمْفُونِيَّةُ الْجَمَالِ الْمَرْسُومَةُ بِحَدِّ السَّيْفِ”

=

بقلم/  د. أحمد محمد عقلة الزبون

لَمْ يَكُنِ الشَّاعِرُ اللَّبْنَانِيُّ سَعِيدُ عَقْلٍ مُجَرَّدَ شَاعِرٍ سَيْطَرَتْ عَلَى قَصَائِدِهِ ظَاهِرَةُ الْهَالَةِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الشَّاعِرَ يَنْبَهِرُ عَاطِفِيًّا بِمَحْبُوبَتِهِ، فَلَا يَرَى فِيهَا إِلَّا فَيْضًا لِلْجَمَالِ، وَصُورَةً تَتَوَارَى عَنْهَا أَعْيُنُ النَّقْصِ وَالْعُيُوبِ، ولم يَكُنْ سَعِيدُ عَقْلٍ مُتَمَرِّدًا عَلَى أُصُولِ الْعِشْقِ، وَمَبَادِئِ الْغَزَلِ الْعُذْرِيِّ، بَلْ كَانَ شَاعِرًا جَمَعَ الْحِكْمَةَ، وَبَلَاغَةَ الْوَصْفِ وَهُوَ يَتَغَزَّلُ بِمَحْبُوبَتِهِ الْأُرْدُنِّ؛ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي لَطَالَمَا كَانَتْ بِنَظَرِهِ أُغْنِيَةً لِلظِّبَى، وَرَمْزًا لِلَحْنِ السُّيُوفِ وَنَغَمِهَا أَثْنَاءَ اشْتِدَادِ أَوَارِ الْحُرُوبِ.
أُرْدُنُّ أَرْضَ الْعَزْمِ أُغْنِيَةُ الظُّبَى
نَبَتِ السُّيُوفُ وَحَدُّ سَيْفِكِ مَا نَبَا
فِي حَجْمِ بَعْضِ الْوَرْدِ إِلَّا أَنَّهُ
لَكَ شَوْكَةٌ رَدَّتْ إِلَى الشَّرْقِ الصِّبَا
وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَلْ تُغَنِّي السُّيُوفُ؟ وَلِمَاذَا اسْتَعَارَ الشَّاعِرُ لَفْظَ الْغِنَاءِ؟ نَعَمْ تُغَنِّي السُّيُوفُ، وَيُغَنِّي الْبَارُودُ أَيْضًا فَقَطْ فِي الْأُرْدُنِّ عِنْدَمَا هَبَّتِ النَّارُ وَالْبَارُودُ غَنَّى. نَعَمْ تُغَنِّي السُّيُوفُ وَبِتَقْدِيرِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْجَمَالُ الْأَدَبِيُّ بِعَيْنِهِ، عِنْدَمَا عَبَّرَ الشَّاعِرُ عَنْ صَرِيرِ السُّيُوفِ بِأُغْنِيَةِ الظُّبَى لِكَيْ يَصُوغَ تَغْرِيدَةً وَأُغْنِيَةً لِلنَّصْرِ وَالْبُطُولَةِ تُغَنِّيهَا الْأَجْيَالُ الَّتِي لَا تَرَى فِي الْأُرْدُنِّ مُجَرَّدَ حُدُودٍ مَرْسُومَةٍ عَلَى الْوَرَقِ، بَلْ هِيَ رُقْعَةٌ شَاسِعَةٌ مِنَ الْفَخْرِ وَالْكَرَامَةِ وَالْإِبَاءِ رَغْمَ أَنْفِ مَنْ جَحَدَ، وَعَنْوَةً لِمَنْ أَنْكَرَ، فَالْأُرْدُنُّ أُغْنِيَةُ الظُّبَى، وَسَيْفٌ لَمْ يَكِلَّ وَلَمْ يَهُنْ وَلَمْ تَخُرْ قَوَائِمُ حَامِلِهِ، وَمَا نَبَا، وَلَنْ تَنْبُوَ سُيُوفُهُ رَغْمَ كُلِّ السُّيُوفِ الَّتِي نَبَتْ مِنْ حَوْلِهِ، سَيَبْقَى سَيْفُ الْأُرْدُنِّ لَا يَعْرِفُ الْوَهَنَ فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ تَرْنُو عَيْنَاهُ لِلْخِيَانَةِ أَوِ الْوَهَنِ أَوِ الِاسْتِكَانَةِ.
إن سعيد عَقْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ لَمْ يَعْرِضْ صُورَةً شِعْرِيَّةً مُفْعَمَةً بِالْعَاطِفَةِ، بَلْ كَانَ حَكِيمًا اسْتَعَارَ لُغَةَ الْغَزَلِ لِيُعَبِّرَ عَنِ الْحَجْمِ الْحَقِيقِيِّ لِلْأَوْطَانِ الَّذِي لَا يُقَاسُ بِالْكِيلُومِتْرَاتِ، بَلْ يُقَاسُ بِالْإِنْجَازِ الَّذِي يُعْيِي الْحَاصِينَ عَنْ حَصْيِهِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَى كُلِّ فَنَّانٍ يُحَاوِلُ اسْتِقْصَاءَ مَوَاطِنِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، لِيُعْلِنَ صِيَاغَةَ حَقِيقَةٍ وُجُودِيَّةٍ بِأَنَّ الْأَوْطَانَ لَا يَزِيدُ قِيمَتَهَا كَثَافَةُ سُكَّانِهَا، وَلَا اتِّسَاعُ رُقْعَتِهَا، بَلْ إِنَّ بَعْضَهَا -وَعَلَى رَأْسِ قَائِمَتِهَا الْأُرْدُنُّ- يُشْبِهُ الْوَرْدَ بِحَجْمِهِ، لَهُ رَائِحَةٌ فَوَّاحَةٌ لَا تَمْنَعُهَا الْآكَامُ مِنْ أَنْ تَصِلَ إِلَى أُنُوفِ الْعَاشِقِينَ لِلْبَهَاءِ وَالْحُسْنِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ بِحَجْمِ الْوَرْدِ الرَّقِيقِ النَّاعِمِ إِلَّا أَنَّ لَهُ شَوْكَةً وَمَنَعَةً وَقُوَّةً تَرُدُّ بَأْسَ الْكَائِدِينَ، وَتَدْحَرُ قُوَى الْخَائِبِينَ، لَهُ شَوْكَةٌ تَرُدُّ لِأَهْلِ الشَّرْقِ رُوحَ وَعُنْفُوَانَ الصِّبَا….. حمى الله الأردن من كل سوء، وأدام عليه نعمة الأمن والرخاء والاستقرار.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة