رجل من #رجالات_الكرك الشيخ غانم الزريقات ” ابو عبدالله ” // الدكتور متري شبلي الزريقات

في مثل هذا اليوم، نستذكر رجلاً من رجالات الكرك الذين لم تصنعهم المناصب ولا الألقاب، بل صنعتهم الأخلاق والمروءة والكرم والأثر الطيب.
اثنان وثلاثون عاماً مضت على رحيل الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله)، وما زال حضوره في الذاكرة الكركية حاضراً كأن الأيام لم تمضِ، لأن الرجال العظماء لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين التي عاشوها، بل بما تركوه من أثر في قلوب الناس.
كان أبو عبدالله نموذجاً نادراً للكرم الحاتمي، والأدب الجم، والأخلاق الرفيعة التي لا تُباع ولا تُشترى، ولا تُفرض بقانون أو تُكتسب بمصلحة، بل هي قيم أصيلة متجذرة في النفس والعقل والقلب. عاش للناس وبين الناس، فكان بيته مفتوحاً للجميع، وساعياً في الإصلاح، وحاملاً لهموم مجتمعه، وصاحب كلمة طيبة وموقف كريم.
عرفه أهل الكرك رمزاً للمحبة والوحدة والتآخي، وكان يؤمن أن أبناء الكرك، مسلمين ومسيحيين، أسرة واحدة يجمعها تاريخ مشترك ومصير واحد. ومن هذه القيم تعلمت الأجيال معنى الأخوة الحقيقية والانتماء الصادق لهذه الأرض الطيبة.
لم يكن عطاؤه مقتصراً على القول، بل تجسد فعلاً في خدمة الناس ومساندة الفقراء والمحتاجين، وفي كل موقف نبيل كان حاضراً بإنسانيته وشهامته. ولذلك بقي اسمه محفوراً في وجدان الكركيين، يتردد بكل احترام ومحبة.
ومن أجمل ما يُروى عنه، ومن المواقف التي ما زالت تُروى عن الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله)، ما يعكس معدن الرجل الأصيل وإنسانيته النبيلة. فقد اعتاد أن يتردد على محل الخضار والفواكه الذي كان يملكه سمير المبيضين، وكان يشتري كميات كبيرة من الخضار والفواكه، إذ إن منزله كان مفتوحاً دائماً للضيوف وأبناء المجتمع، لا يُغلق بابه في وجه أحد.
وفي أحد الأيام، وبينما كان يستعد للمغادرة وكانت سيارة الأجرة تنتظره خارج المحل، دخلت سيدة كركية كبيرة في السن لشراء بعض احتياجاتها من الخضار والفواكه. لاحظ أبو عبدالله أنها تتفقد البضاعة بحسرة، وأن ما تملكه من مال لا يكفي لشراء ما تحتاجه. فقرأ الحزن في عينيها قبل أن تنطق به شفاهها.
عندها، ودون أن يجرح كرامتها أو يلفت انتباه أحد، طلب من السائق أن يوصل السيدة إلى منزلها، وأن يحمل إليها جميع ما اشتراه من خضار وفواكه. ثم غادر المكان وكأن شيئاً لم يكن، تاركاً خلفه موقفاً من مواقف الكبار الذين كانوا يرون في قضاء حاجات الناس واجباً لا فضلاً، وفي العطاء رسالة لا تنتظر شكراً ولا ثناءً.
هكذا كان الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله)، رجلاً يزرع الخير بصمت، ويصنع الفرح في قلوب الناس دون ضجيج، فبقيت سيرته العطرة حاضرة في الوجدان، وبقيت مواقفه النبيلة شاهداً على أن الرجال العظماء يرحلون بأجسادهم، لكن أعمالهم الطيبة تبقى خالدة في ذاكرة الأجيال.
اليوم، وبعد اثنين وثلاثين عاماً على رحيله، ما زال الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله) علماً من أعلام الكرك، ورمزاً من رموزها الأصيلة، وواحداً من أولئك الرجال الذين تخرج أرواحهم إلى بارئها، وتفنى أجسادهم في التراب، لكن آثارهم الطيبة تبقى خالدة في ذاكرة الناس ما بقي الوفاء.
ولعل من أجمل ما يخلّد ذكرى الرجال العظماء أن تبقى قيمهم ومبادئهم حية في أبنائهم وأحفادهم. فقد امتدت مسيرة العطاء التي أرساها الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله) إلى نجله عبدالله غانم الزريقات، الذي واصل نهج والده في خدمة الكرك وأبنائها، واضعاً مصلحة الوطن والمواطن نصب عينيه.
وعلى مدار ما يقارب عقدين من العمل النيابي، ظل حاضراً في مختلف القضايا التي تمس أبناء المحافظة، مستثمراً كل ما أتيح له من إمكانات وجهود لخدمة الكرك وأهلها، إيماناً منه بأن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن خدمة الناس هي الامتداد الحقيقي للإرث الذي تركه والده الراحل.
وهكذا تبقى سيرة الشيخ غانم الزريقات حاضرة ليس فقط في الذكريات والمواقف النبيلة التي تركها خلفه، بل أيضاً في مدرسة العطاء والوفاء التي أسسها، والتي ما زالت تواصل أداء رسالتها في خدمة المجتمع وتعزيز قيم المحبة والتكافل والانتماء.
رحم الله الشيخ غانم الزريقات (أبو عبدالله)، و نطلب لروحه الرحمة و السلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة