الجاهات بين الأصالة والاستعراض


محامي محمد صدقي الغرايبة

الحمد لله أن مجتمعنا أوجد لكبار المتقاعدين شغلة يتسلواّ بها بعد سنوات الخدمة الطويلة؛ جاهات وعطوات وصلحات وافتتاحات ومحافل لا تنتهي. أصبح جدول بعضهم مزدحماً أكثر مما كان عليه أيام الوظيفة، حتى ليخيل للمرء أن التقاعد لم يكن خروجاً من العمل، بل انتقالاً إلى وظيفة جديدة عنوانها: “الوجاهة العامة”.

في الماضي كانت الجاهة جاهة، والعطوة عطوة، والصلح صلحاً. أمور تمارس ببساطة وعفوية، هدفها الإصلاح وجمع الناس على الخير. لم تكن تحتاج إلى عشرات السيارات الفارهة، ولا إلى تصوير احترافي، ولا إلى بيانات صحفية، ولا إلى استعراض أسماء الحضور وكأننا أمام مؤتمر دولي.

اليوم تغير المشهد كثيراً. أصبح غالبية الناس يقيس نجاح المناسبة بعدد حضور أصحاب الألقاب الذين حضروا، لا بعدد القلوب التي تصافت أو المشكلات التي حُلّت. وصار هناك من يسوّق أصحاب المناصب السابقة وكأن المنصب لا يغادر صاحبه، رغم أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تأتي من الكرسي الذي جلس عليه يوماً ما، بل من أثره وسيرته بين الناس لان الإنسان هو من يعطي قيمة لذلك الكرسي وليس العكس.

وأثناء هذا المشهد المزدحم بالبهرجة، ظهر مقطع على مواقع التواصل الاجتماعي يحمل رسالة مختلفة تماماً. صاحب محل صغير أراد افتتاح مشروعه الجديد، فلم يستدعِ أصحاب المناصب ولا الباحثين عن الأضواء، بل طلب من عامل وطن أن يقص شريط الافتتاح.

يا لها من مفارقة عميقة.

بين من يفتش عن الوجاهة في الأسماء والألقاب، وبين من رأى الكرامة في عامل يكسب رزقه بعرق جبينه، ويحافظ على نظافة الشوارع التي نسير عليها جميعاً. وبين من يبحث عن صورة مع مسؤول سابق، ومن يبحث عن دعوة صادقة من رجل بسيط.

ربما لم يكن صاحب المحل يقصد إثارة الجدل، لكنه قدم درساً اجتماعياً بليغاً. فاحترام الناس لا يكون بما كانوا عليه، بل بما هم عليه. والرزق لا تباركه كثرة الوجوه حولك، بل تباركه النية الصادقة والمال الحلال والتواضع للناس.

العادات العشائرية الأصيلة ستبقى جزءاً من نسيج المجتمع، وهي تحمل في جوهرها معاني التكافل والإصلاح والنجدة. لكن ما يحتاج إلى مراجعة هو ذلك التضخم الذي أصاب بعضها، حتى أصبح الشكل أحياناً أكبر من المضمون، والحضور أهم من الغاية.

أما عامل الوطن الذي افتتح المحل، فقد خرج من المناسبة دون خطاب طويل، ودون استعراض، وربما دون أن يدرك أنه قدم للمجتمع رسالة أبلغ من آلاف الكلمات أن قيمة الإنسان فيما يقدمه للناس، لا فيما كان يحمله (لقب أو منصب).

بخاطركوا

المحامي محمد الغرايبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.