“غيب لك شوي”…

محامي محمد صدقي الغرايبة
يوم الخميس الماضي وفي احدى الدوائر حيث كان لي معاملة رسمية وبعد ان نظر الموظف إلى الأوراق، ثم استرق النظر إليّ (بطرف عينه)أشعرني من خلالها وكأنني أطلب منه التبرع بكليته، وقال بنبرة هادئة ملؤها الثقة … “غيب لك شوي وارجع”*.
طبعا أنا ما كذبت خبر وتوجهت إلى مكاتب اخرى لاستكمال معاملات بحوزتي وذلك امتداداً لثقافة الامتثال والمواطنة الصالحة.
طبعا “غبت” أكثر من نصف ساعة. مشيتُ، تأملتُ في ملكوت الله، شربتُ قهوة، وعدتُ إليه بابتسامة متفائلة: “بشر.. شو صار معك؟”.
نظر إليّ بذات البرود، وبنفس الصوت الرتيب وكأنه مسجل تالف: “غيب كمان لك شوي”!
هنا أدركت أن الـ “شوي” عنده قد تمتد إلى العصر الجليدي القادم. تركتُ له المعاملة يغزلها على مهله، وغادرت وفي قلبي غصة.
اليوم الاثنين، عدتُ إلي ذات الموظف متسلحاً بالأمل. هل تعتقدون أنه غيّر أسطوانته؟ أبدًا! بادرني فوراً بجرعته اليومية المعتادة: “غيب شوي وارجع”*. على ما يبدو أن الكلمة علقت في حنجرته وصارت جزءاً من جيناته الوظيفية.
طبعا تجاوزته وتوجهت إلى “الديوان” لتصدير كتاب رسمي. كان بحوزتي وعندما وصلتُ هناك فإذا بالباب موصدٌ بالمفتاح، كأنه خزنة بنك مركزي!
طرقتُ الباب.. ثم طرقت.. ثم طرقت حتى “كلمتني” طبعا يدي هي التي كلمتني (أي تعبت واشتكت من الألم)، ومن كثرة الطرق كادت يدي تفقد الأمل في الحياة. المفاجأة لم تكن في غياب الموظف، بل في أن الديوان بأكمله بكل موظفيه أخذوا “إجازة دورية جماعية” في نفس اللحظة!
يبدو أنهم ذهبوا معاً لـ “يغيبوا شوي”.
ذهبتُ إلى رئيس القسم أشكو له هذا الاختفاء المريب، فماذا تظنون كانت إجابته العبقرية؟ نعم، حزرتُم! قال لي بكل أريحية: “غيب لك نصف ساعة وارجع، بكون في حدا رجع”! هكذا ببساطة، رئيس قسم ينتظر “الفرج البيروقراطي” ولا يعلم أين رعيته.
هروباً من هذا العبث، توجهتُ إلى إحدى المستشفيات لأتابع معاملة بالدائرة المالية. هناك، استقبلتني موظفة وقور ان سلمتها الكتاب الرسمي، فأمسكت به ومارست عليه طقوس القراءة السريعة والعميقة، قلّبته يمنة ويسرة، هزّت رأسها بوقار، وقالت لي بلهجة عامية أصيلة تختصر كل ترهل الإدارة:
“هاظ اختصاص رئيس القسم!”.
قلت لها: “وين رئيس القسم؟”
قالت: “انتظر شوي هسا بيجي.”
سألتها ببراءة الأطفال: “قديش بده وقت؟”
فجاءت الصدمة الكبرى والضربة القاضية “غيب لك نصف ساعة!”
وحتى يرجع رئيس القسم من غيبوبته الزمنية، سأغيب أنا أيضاً.. ولكن إلى أجل غير مسمى!
بخاطركوا

