حين تكون شوفته دواء // أ.د جهاد علي المومني

 

 

==

 

جرى مداد قلمي بعد غياب عن الكتابة لفترة من الزمنبعد منتصف الليل وانا أقيم كمرافق إلى جانب والدي في المستشفى شافاه الله وعافاه وقد تذكرت مقوله للمفكر مصطفى السباعي في كتابه “هكذا علمتني الحياة” مقولة ” زُر المستشفى مرة لتعرف فضل الله عليكفي الصحة” فكم من نعم عظيمة ننعم بها ولا ندرك قيمتها إلا بعد فقدانها وحري بنا أن نحمد الله ونشكره ليل نهار على نعمه العظيمة التي أنعمها علينا، فالفقير لايعلم انه أغنى الناس بصحته التي يتمناها الأغنياء الذين يقيمون في المستشفيات وقد حرموا لذة الطعام والنوم والراحة بسبب الآلام التي نخرت أجسادهم. ومادفعني للكتابة حقيقة ما رايته وأراه من تفاوت في طرق تعامل الأطباء والممرضين في المستشفى مع المرضى فهنالك من يدخل على المريض وهم قلة للأسف مبتسماً متهللاً وجهه وهو فرح بما يقدم من خدمة للمرضى وتكون لمسته دواءوكلامه ورؤيته سبب من أسباب الشفاء ورفع المعنويات للمريض، وبالمقارنة هنالك أطباء وممرضين أجدهم يحملون المرض والهم للمرضى بسوء تعاملهم وغياب لغة الجسد ومهارات التواصل الإيجابية عندهم وخصوصاً من هم مناوبين ليلاً مع المرضى وكأنهم يحمّلون المريض مسؤولية دوامهم وعملهم الليلي فتجد أحدهم عابس الوجه ولا تتمنى رؤية وجهه وأنت صحيح البدن فما بالكم بمن هو مريض ويعاني من الألم، ويحضرني هنا قول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ” تبسمك في وجه أخيك صدقة ” رواه الترمذي وقوله صلى الله عليه وسلم ” إن الرفق لايكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ” رواه مسلم، إنها توجيهات نبوية نابعة من ديننا الحنيف ينبغي علينا العمل بها لتتزين بها صحائف أعمالنا.

لقد عملت في المملكة العربية على تدريس طلبة السنة الأولى في تخصص الطب في جامعة الملك سعود مساق مهارات الاتصال وكان سؤال الطلبة لي بحكم عملي كمنسق لهذا المساق بالجامعة لماذا ندرس هذا المساق يادكتور ونحن ندرس الطب وكان جوابي لهم هل تتذكر والدك أو ووالدتك وهما يقولان لك اريد ان اذهب للطبيب الفلاني او أريد ان تحضر لي الممرض الفلاني تحديداً دون غيره وعندما تسألهم لماذا هو تحديداً فيكون جوابهم ” لأن شوفته دواء” يعني ملقاه طيب لديه لغة جسد ومهارات تواصل إيجابية مفعمه بالتفاؤل والبشاشة، يبتسم للمريض ويخفف عليه ألمه ويحنو عليه بقوله سلامتك يا أبي أو يا امي أمورك طيبة، ويبسط لهم الأمور ولا يعظمها حتى لو كانت الوضع الصحي صعب ويخفف عليهم بعبارات إيمانية مليئة بالحنان ورفع المعنويات، وكل ذلك يكون قبل أن يصرف لهم الدواء الفعلي ليتم تناوله لاحقاً. إنها مهارات الاتصال أيها الأطباء والممرضين فأنتم الأكثر حاجة لامتلاكها لأنها سبباً من أسباب التعافي عند المرضى، إنها مهارات الاتصال التي يحتاج إمتلاكها الأزواج ليحسنوا طريقة تعاملهم مع ازواجهم وهي أقوى أدوات استمرار الحياة الزوجية، ويحتاج لها المدرسين والمدرسات ليتقنوا التعامل مع طلبتهم ويزيدوا من دافعيتهم نحو التعلم. لنقتدي بحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ونتعامل مع من حولنا  بلسان يقطر عسلاً بكلمات دافئة وبرفق وإخلاص وطيبة قلب وحسن ظن ونتعلم لغة الابتسامة الدائمة لتكون شوفتنا دواء ومصدر تفاؤل لكل من نلقاه، تحية وإعتزاز لكم ملائكة الرحمة على ما تقدموه من جهد وعمل في تخفيف الآم المرضى الذين ينتظرون منكم المزيد من التضحية والحب والإخلاص بالعمل لتكونوا مأجورين من الله جل جلاله الذي سيبارك لكم في صحتكم وحياتكم ورزقكم بسبب إخلاصكم وتضحيتكم ليل نهار وبسبب الدعوات الخالصة من المرضى الذين تنّعموا بتعاملكم الطيب معهم . نريد أن تكون شوفتكم دواء وكلامكم دواء ولمستكم دواء لكل من ينتظر منكم الدواء، نريد تلك الضحات والاطلالات الصباحية الملئية بالتفاؤل منكم كل يوم على المرضى، لاتحملوهم همومكم ومشاكلكم فيكفيهم ما أهمهم وأتعبهم وآلمهم. كيف لا وانتم ملائكة الرحمة وكفاكم فخراً هذا اللقب، نسال الله تعالى الشفاء لكل مريض وأن يديم علينا وعلى كل من نحب الصحة والعافية فهي الكنز الثمين الذي نجهل قيمته ولانعرف حقيقته إلا حين نرى خلف جدران المستشفيات من يتمنى نفساً واحداً بلا ألم.

 

أ.د جهاد علي المومني – جامعة عمان العربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة