لو حوكم بوش وبلير على غزو العراق لما تجرأ ترامب على تكرار الجريمة في إيران

مهدي مبارك عبدالله
لا يمكن فهم العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران بمعزل عن واحدة من أخطر المحطات في التاريخ السياسي المعاصر وهي الحرب على العراق عام 2003 ذلك الغزو الذي لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة بل مثل لحظة تأسيسية لثقافة سياسية دولية قائمة على الإفلات من العقاب وشرعنة استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي وتحت غطاء ذرائع أمنية ثبت لاحقاً أنها كانت مضللة أو مختلقة ومن هذه الزاوية فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا وقع العدوان على إيران بل لماذا لم يقع قبل ذلك بسنوات وما الذي شجع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب على الاعتقاد بأنهم قادرون اليوم على تكرار التجربة العراقية دون خشية من محاسبة أو مساءلة.
لقد كشفت الوثائق والتحقيقات اللاحقة وعلى رأسها تقرير شيلكوت البريطاني أن الحرب على العراق قامت على معلومات استخباراتية مشكوك بصحتها وأن الرأي العام الغربي تعرض لعملية تضليل واسعة النطاق حول وجود أسلحة دمار شامل عراقية لم يعثر عليها أحد بعد الغزو وقد لعبت حكومة توني بلير دوراً محورياً في تسويق هذه المزاعم والاكاذيب وإقناع الإدارة الأمريكية بأن العراق يمثل تهديداً وشيكاً للأمن الدولي وبعد سنوات طويلة اعترف كثير من المسؤولين والخبراء بأن الأساس الذي بنيت عليه الحرب كان واهياً وأن القرار بالحرب سبق الأدلة التي حاولت الحكومات تقديمها للرأي العام.
واقعيا إذا كانت كذبة أسلحة الدمار الشامل العراقية قد شكلت المبرر السياسي لغزو بغداد فإن المشهد تكرر بصورة تكاد تكون مطابقة في الملف الإيراني حيث جرى تضخيم الخطر الإيراني وتصوير البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً عاجلاً رغم أن تقارير دولية عديدة لم تؤكد وجود قرار إيراني بإنتاج سلاح نووي وفي الوقت نفسه روج بنيامين نتنياهو ومعه دوائر سياسية وإعلامية غربية لفكرة أن الضربات العسكرية ستؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني وأن الشارع الإيراني سينتفض فوراً لإسقاط السلطة وأن العملية لن تتجاوز بضعة أسابيع قبل إعلان النصر.
الوقائع الميدانية برمتها جاءت معاكسة تماماً لهذه التقديرات وبعد شهور من المواجهة لم يتحقق الانهيار الموعود ولم تظهر الانتفاضة الشعبية التي بشرت بها الدعاية السياسية والإعلامية الاسرائيلية ولم تسقط الدولة الإيرانية كما توقع مهندسو الحرب بل خلاف كل من ذلك كشفت الأحداث حجم الفجوة بين التقديرات السياسية المسبقة وبين الحقائق الفعلية على الأرض وهو ما يعيد إلى الأذهان الفشل الاستخباراتي والسياسي ذاته الذي رافق غزو العراق قبل أكثر من عقدين.
اللافت إن أوجه التشابه بين الحالتين لا تقتصر على التضليل الإعلامي أو المبررات الأمنية بل تمتد إلى جوهر العقيدة السياسية التي تحكم صناع القرار وفي العراق كما في إيران جرى تسويق فكرة الحرب الوقائية أو الاستباقية باعتبارها حقاً مشروعاً للقوى الكبرى حتى عندما لا يكون هناك تهديد مباشر أو تفويض أممي أو إجماع دولي وهنا يكمن الخطر الحقيقي لأن تحويل الحرب الاستباقية إلى قاعدة عمل يعني عملياً نسف ميثاق الأمم المتحدة وإفراغ القانون الدولي من مضمونه وتحويل النظام العالمي إلى ساحة مفتوحة للأقوياء يفرضون فيها إرادتهم بالقوة العسكرية.
كان من المفترض أن تكون تجربة العراق درساً رادعاً للعالم بأسره والحرب خلفت مئات الآلاف من الضحايا ودمرت بنية الدولة العراقية وأدخلت المنطقة في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صعود تنظيمات متطرفة هددت الشرق الأوسط والعالم كما أن التكاليف الاقتصادية والسياسية والإنسانية للحرب أثبتت أن الشعارات التي رفعت تحت عناوين نشر الديمقراطية أو حماية الأمن الدولي لم تكن سوى غطاء لسياسات انتهت إلى نتائج كارثية.
المشكلة الكبرى لم تكن في وقوع الحرب فقط بل في غياب المحاسبة بعدها حيث لم يمثل جورج بوش أو توني بلير أمام أي محكمة دولية ولم يتحمل أي منهما المسؤولية السياسية أو القانونية عن القرارات التي قادت إلى تلك الكارثة بل إن كثيراً من رموز تلك المرحلة استمروا في تقديم النصائح وصياغة السياسات والظهور كخبراء في الأمن والاستراتيجية وكأن شيئاً لم يكن ومن هنا ترسخت أخطر نظرية في العلاقات الدولية وهي أن شن الحروب العدوانية قد يكون مكلفاً للشعوب والدول المستهدفة لكنه ليس مكلفاً لمن يتخذ القرار.
ربما من الطبيعي جدا في ظل هذه البيئة أن يظهر قادة جدد يعتقدون أن بإمكانهم تكرار السيناريو نفسه حين يرى صانع القرار أن أسلافه غزوا دولة ذات سيادة استناداً إلى معلومات مضللة ولم يتعرضوا للمساءلة فإنه يصبح أكثر استعداداً للمغامرة العسكرية وأكثر ثقة بأن العواقب الشخصية أو القانونية لن تطاله مهما كانت النتائج وهكذا تحول الإفلات من العقاب إلى عامل إنتاج دائم للأزمات والحروب وليس مجرد نتيجة لها.
العدوان الصهيو امريكي على إيران أعاد إلى الواجهة عدة اسئلة حاول العالم تجاهلها منذ عام 2003 من بينها اين العدالة الدولية الانتقائية وكيف خسر القانون الدولي هيبته عندما طبق على الضعفاء ويستثنى منه الأقوياء ولماذا فقدت المحاكم الدولية مصداقيتها عندما اصبحت أداة لمعاقبة طرف دون آخر ولهذا فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بإيران أو العراق بل بمستقبل النظام الدولي نفسه وبمدى قدرته على فرض قواعد واحدة على الجميع دون استثناء.
تجربة العراق أثبتت من جديد أن الأكاذيب قد تفتح أبواب الحروب لكنها لا تستطيع صناعة الاستقرار كما أكدت التجربة الإيرانية أن تكرار الأخطاء نفسها لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وتوسيع دائرة الصراع وبين التجربتين يمتد خيط واضح عنوانه غياب المساءلة وانتصار القوة على القانون يفتح شهوة المستبدين لمزيد من الخراب والدمار.
الحقيقة المؤكدة انه لو امتلك العالم الشجاعة السياسية والقانونية لمحاسبة المسؤولين عن غزو العراق قبل أكثر من عقدين ولو أن الكذب الذي سبق الحرب والعواقب التي أعقبتها قوبل بعقاب رادع وعادل لربما تردد كثيرون قبل التفكير في تكرار المغامرة نفسها ضد إيران غير أن الإفلات من العقاب فتح الباب أمام إعادة إنتاج السياسات ذاتها والأوهام نفسها والذرائع الاكبر ولذلك فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه اليوم هو أن العدالة ليست مطلباً أخلاقياً فحسب بل ضرورة استراتيجية رادعة لمنع الحروب المقبلة لأن الجرائم التي لا تعاقب لا تختفي بل تعود بأسماء جديدة وساحات جديدة وضحايا جدد ومجرمين جدد.
إن أخطر ما تكشفه المقارنة بين العراق عام 2003 وإيران اليوم لا يتعلق فقط بتشابه الذرائع أو تطابق أساليب التضليل الإعلامي والسياسي بل بحقيقة أكثر عمقاً تتمثل في تحول الكذب الاستراتيجي إلى أداة مقبولة لإشعال الحروب وتغيير خرائط الدول ومصائر الشعوب دون أي مساءلة حقيقية وحين يدرك صانع القرار أن أسوأ ما يمكن أن يواجهه بعد حرب مدمرة هي بعض الانتقادات الإعلامية أو المذكرات التكريمية أو لجان التحقيق غير الملزمة فإن إغراء اللجوء إلى القوة يصبح أكبر من إغراء البحث عن الحلول السياسية والدبلوماسية وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه النظام الدولي المعاصر خاصة وان القضية لم تعد مرتبطة بالعراق أو إيران وحدهما وإنما بمستقبل الشرعية الدولية نفسها وبقدرة العالم على منع تكرار الحروب التي تُبنى على معلومات مضللة وافتراضات غير مثبتة وتوقعات ثبت مراراً أنها بعيدة عن الواقع
خلاصة القول : إن العالم يقف اليوم أمام اختبار تاريخي لا يقل أهمية عن الاختبارات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وإذا استمر نهج بوش وبلير القائم على تبرير الحروب بالادعاءات الباطلة وغير المثبتة ثم الإفلات من المحاسبة بعد وقوع الكوارث فإن البشرية ستبقى رهينة دوامة لا تنتهي من الأزمات والصراعات وستظل الدول والشعوب تعيش فوق فوهة بركان قابلة للانفجار في أي لحظة والقانون الدولي الذي لا يُطبق على الأقوياء سيفقد قيمته والأمم المتحدة التي تعجز عن ردع العدوان لن تجد الهيبة والاحترام والعدالة التي لا تصل إلى المسؤولين عن إشعال الحروب ستتحول إلى مجرد شعار ولذلك فإن حماية السلم العالمي لا تبدأ بإدانة الحروب بعد وقوعها بل بمنع تكرار النموذج الذي أنتجها ومحاسبة من صنعوه حتى لا يصبح الكذب طريقاً مشروعاً إلى الحرب ولا يصبح الإفلات من العقاب دعوة مفتوحة لمغامرات جديدة تهدد أمن العالم واستقراره بين حين وآخر.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

