سألني صديق ذات يوم ..


امجد فاضل فريحات

 

قال لي:

كيف يتغير من سحرنا بالأمس بدفئ العلاقة وسحر الحرارة معه إلى تجمد المشاعر وتخدر الأحاسيس؟

كيف يتغير الناس بهذه السرعة؟

كيف يصبح من كان قريباً إلى هذا الحد غريباً إلى هذا الحد؟

وكيف تختفي كلمات المحبة بمجرد أن تتغير الظروف؟

ومن أتى ليرجوك في أمر ما  تنصل اليوم من كل وعوده ومواثيقه التي حلف بها على نفسه ودق بها صدره؟

 

فأجبته:

يا صديقي بعض الناس لا يدخلون حياتك لأنهم عرفوا قيمتك، وإنما لأنهم عرفوا حاجتهم إليك ..

 

يقتربون ما دامت مصالحهم مزدهرة بقربك، ويمنحونك من الكلمات ما يجعلك تظن أنك استثناء، بينما أنت بالنسبة لهم وسيلة إلى غاية، وجسر إلى رغبة، ومرفأ مؤقت إلى أن تصل سفنهم ..

 

ثم تمضي الأيام، فتتغير الظروف، أو تتوقف عن العطاء، أو تنشغل بنفسك قليلاً، فتحدث المعجزة التي تكشف كل شيء ..

 

تسقط الأقنعة دون ضجيج ..

وتذبل العلاقات التي كانت تبدو قوية ..

وتختفي الوجوه التي كانت تؤكد لك أنها لن تغادر أبداً ..

 

عندها فقط تفهم أن بعض القلوب لم تكن متعلقة بك، وإنما بما كانت تحصل عليه منك ..

 

فسألني:

وما أكثر ما يؤلم في ذلك؟

 

فقلت:

ليس الرحيل، فالناس ترحل ..

وليس الخذلان، فالقلوب تتبدل ..

 

ما يؤلم حقاً أن تكتشف أنك كنت تمنح بعض الأشخاص مكانةً كبيرة في قلبك، بينما كانوا يمنحونك حجم المنفعة التي تحققها لهم ..

 

كنت تراهم أهلًا للمودة، وكانوا يرونك باباً للحاجة ..

كنت تحفظ لهم الجميل، وكانوا يحفظون مقدار الفائدة ..

وما إن تقل الفائدة حتى يقل الحضور، وتفتر المشاعر، ويتبدل الخطاب ..

 

ثم نظرت إليه وقلت:

 

لكن الحياة عادلة أكثر مما نظن ..

 

فهي لا تكشف معادن الناس في أيام الرخاء، وإنما تكشفها عند أول منعطف ..

 

هناك تعرف من يحبك لذاتك، ومن يحب موقعك، ومن يحب عطاياك، ومن يحب وجودك حتى لو لم تقدم له شيئاً ..

 

ومع مرور العمر، يكتشف الإنسان أن أعظم ثروة لا تتمثل في كثرة من حوله، وإنما في قلةٍ صادقة تبقى كما هي ..

 

لا تقترب طمعاً ..

ولا تبتعد استغناءً ..

ولا يتغير دفؤها بتغير الظروف ..

 

فبعض الراحلين خسارة مؤقتة، أما انكشاف حقيقتهم فهو مكسب يدوم العمر كله ..

 

ومن أجمل ما تمنحه لنا الأيام أنها لا تُبقي الأقنعة معلقة إلى الأبد ..

 

فلكل قناع موعد يسقط فيه، ولكل حقيقة لحظة تظهر فيها، ولكل علاقة اختبار يكشف جوهرها ..

 

وعندها تدرك أن الذين بقوا بعد إنطفاء المصالح، هم الذين كانوا يستحقون البقاء منذ البداية ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.