ظاهرة تزايد أعداد المركبات غير المرخصة وغير المؤمنة تستوجب دق ناقوس الخطر

محامي محمد صدقي الغرايبة
–
لم تعد ظاهرة قيادة المركبات غير المرخصة وغير المؤمنة مجرد مخالفة مرورية عادية، بل تحولت إلى مشكلة قانونية واجتماعية واقتصادية تهدد أمن المجتمع وتلقي بآثارها المباشرة على ضحايا حوادث السير، الذين يجد كثير منهم أنفسهم أمام معاناة مضاعفة تبدأ بالإصابة أو الضرر ولا تنتهي عند أبواب المحاكم.
ومن خلال التعامل مع العديد من الموكلين المتضررين من حوادث السير… برزت في الآونة الأخيرة حالات عديدة تسببت فيها مركبات تسير على الطرق العامة دون ترخيص أو تأمين إلزامي، الأمر الذي أدخل المتضررين في دوامة طويلة من التقاضي، يتحملون خلالها الرسوم وأتعاب الخبرة والمحاماة ومصاريف التنفيذ، ثم قد يصطدمون في نهاية المطاف بعجز المتسبب عن الوفاء بالتعويض المحكوم به، فيتحول الحكم القضائي إلى ورقة لا تحقق العدالة المنشودة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتزايد أعداد المركبات غير المؤمنة؟
لا شك أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع كلف المعيشة لعبت دوراً رئيسياً في عزوف كثير من مالكي المركبات عن تجديد الترخيص، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في ربط إصدار وثيقة التأمين الإلزامي بإجراءات ترخيص المركبة، وما يرافق ذلك من اشتراط تسديد الرسوم والمخالفات قبل الحصول على التأمين.
ومن الناحية القانونية، فإن التأمين الإلزامي لم ينشأ لحماية مالك المركبة، وإنما لحماية الغير المتضرر من الحوادث. فهو نظام ذو وظيفة اجتماعية قبل أن يكون عقداً تجارياً، وهدفه ضمان وجود جهة قادرة على تعويض الضحايا بصرف النظر عن الملاءة المالية للمتسبب بالحادث.
لذلك فإن حرمان مالك المركبة من الحصول على التأمين بسبب عدم الترخيص أو بسبب وجود مخالفات مالية يؤدي عملياً إلى حرمان المتضرر المستقبلي من الضمانة الوحيدة التي تكفل حصوله على التعويض، وهو ما يتعارض مع الغاية التي وجد من أجلها نظام التأمين الإلزامي.
كما أن الربط بين التأمين والترخيص يثير إشكالية قانونية؛ فلكل منهما غاية مختلفة. فالترخيص يتعلق بالسماح للمركبة بالسير على الطرق العامة بعد استيفاء الشروط الفنية والإدارية، بينما يتعلق التأمين بضمان تعويض الأضرار التي قد تصيب الآخرين نتيجة استعمال المركبة. وبالتالي فإن الجمع بين الإجرائين بحيث يتوقف أحدهما على الآخر يستحق إعادة النظر تشريعياً وإدارياً.
ومن زاوية العدالة، فإن وجود مركبة مؤمنة ولو كانت غير مرخصة يظل أقل خطراً على المجتمع من وجود مركبة لا ترخيص لها ولا تأمين، لأن الضرر في الحالة الأولى يبقى مغطى تأمينياً، بينما يتحمل الضحية وحده تبعات الحادث في الحالة الثانية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة التعليمات التي تمنع إصدار التأمين الإلزامي بصورة مستقلة عن إجراءات الترخيص، لأن هذه السياسة قد تؤدي، من حيث النتيجة، إلى زيادة أعداد المركبات غير المؤمنة، وهو ما ينعكس سلباً على حقوق المتضررين ويزيد من حجم المنازعات القضائية.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط بتشديد العقوبات، وإنما بإعادة بناء المنظومة التشريعية بما يحقق التوازن بين حق الدولة في استيفاء الرسوم والمخالفات، وحق المجتمع في وجود مظلة تأمينية تحمي الأبرياء من آثار حوادث السير.
فالغاية النهائية من التأمين الإلزامي ليست جباية الرسوم، وإنما حماية الإنسان، وتعويض المتضرر، وترسيخ الأمن القانوني على الطرق. وكل إجراء يؤدي إلى تقليص نطاق هذه الحماية يستحق المراجعة، لأن العدالة الحقيقية تقاس بمدى قدرة القانون على حماية الضحية قبل معاقبة المخطئ.

