نقطة تحول: بين الإحباط والإبداع ؟ كر عبد الحافظ الخليفات

ذكريات داعبت فكري في هذه الفترة مع اصوات اهازيج الفرح والنجاح وكأن الناس تبحث عن بصيص فرحة تخفف عنها عبء حياتها المثقلة بالكد والتعب والهم والحزن وضمور التفائل بالمستقبل بين دروب الاحباط المكرور في كل حكومة جديدة .. فطاف الفكر في ذكريات مضت وولت وانقضت فكانت هذه الحكاية الآتية :
وتبدأ الحكاية .. حكايتي من مقاعد الدراسة الابتدائية، حيث كانت الفصول تنبض بالحياة، وكان عقلي الصغير يجد متعته الكبرى بين الأرقام. لم تكن الرياضيات بالنسبة لي مجرد مادة دراسية، بل كانت شغفاً حقيقياً بدأ مع الحروف الأولى للأعداد، وتطور سريعاً إلى حب عمليات الجمع والطرح، وحفظ جداول الضرب التي كنت أرى فيها نغماً ممتعاً.في تلك المرحلة، كان معلمنا يتبع أسلوباً حماسياً؛ يشرح العملية الحسابية، ثم يطرح مسائل اختبارية على اللوح ليقيس مدى استيعابنا. كنت أعيش في تلك اللحظات تحدياً ممتعاً مع نفسي ومع الوقت، وكان التوفيق حليفي دوماً، إذ كنت أول من يتوصل إلى الحل الصحيح في الصف بأكمله، متقدماً على زملائي، ومنتشياً بكلمات الثناء وعلامات الصح الخضراء أو الزرقاء التي كانت تزين دفتري.استمر هذا المنوال طيلة أيام الدراسة، حتى جاء ذلك اليوم الذي غير مجرى علاقتي بالأرقام. نتيجة عارض صحي أجبرني على الغياب عن المدرسة ليوم واحد. كان غياباً اضطرارياً بعذر رسمي، لكنه كان كافياً ليفوتني درس مفصلي في بناء المادة الحسابية، وهو “شرح عملية الضرب بعدة منازل”.في اليوم التالي، عدت إلى مقعدي مفعماً بالحماس المعتاد، واثقاً من قدراتي الذهنية. وضع المعلم عدة مسائل اختبارية على اللوح تشمل الدرس الجديد. بدأت بالحل مستنداً إلى منطقي الحسابي الخاص، وكنت كالعادة أول من ركض صوب مكتب المعلم ليقدم له الدفتر. لكن المفاجأة كانت صادمة؛ هذه المرة لم أجد إشارة “الصح” المعتادة. بدلاً منها، خطت يد المعلم إشارة الخطأ تلو الآخر فوق مسائلي. نظرت إلى دفتري بذهول، لم يكن الخطأ في فكرة الحل أو في الخطوات المنطقية؛ فقد كانت كل المراحل التي اتبعتها صحيحة تماماً، عدا خطوة واحدة صغيرة نتجت عن عدم حضوري لشرح الدرس. للأسف، كان المعلم ينظر إلى الجواب النهائي فقط، دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى تفاصيل الإجابة أو خطوات الوصول إليها، ولم يتنازل ليوجهني أو يصحح لي تلك الخطوة البسيطة التي فاتتني في غيابي. مع تكرار المسائل واستمرار هذا الأسلوب الجاف، بدأ اللون الأحمر لـ “إشارة الخطأ” يزين إجاباتي ويهدم ثقتي بنفسي. تحول الدفتر الذي كان مصدراً لفخري إلى مساحة من الإحباط. ومن هنا، ومن تلك اللحظة تحديداً، تسلل الكره إلى قلبي تجاه هذه المادة، وتبدل الشغف القديم إلى مقت وخوف رافقني حتى مرحلة الدراسة الإعدادية، لتظل هذه التجربة شاهداً على أن المعلم قد يكون بوابتك نحو النبوغ، أو الحائط الذي تتحطم عليه الموهبة.
ثم تبدَّلَ المعلّمُ بتبدُّلِ المرحلة، ودخلتُ المرحلةَ الإعدادية. وهنا لا بدَّ لي من ذكرِ اسمِ معلم الرياضيات وعدمِ إخفائه كما فعلتُ مع زميله السابق؛ إنه الأستاذ القدير عبد الكريم علي الرحاحلة – متّعه الله بتاج الصحة والعافية –. كان الأستاذ عبد الكريم يمتلك أسلوباً فريداً يرتكز على التشويق في شرح كل مسألة، ويستعين بقصصٍ عميقة مليئة بالحكمة والموعظة. لم أكن أنا وزملائي ندرك بالغ حكمتها في تلك الحقبة، حتى انطلقنا لاحقاً في معترك الحياة، وتكشَّفت لأفكارنا خبايا الأيام وطرقها المستقيمة والملتوية؛ فعرفنا حينها – على سبيل الذكر لا الحصر – المغزى العميق لقصة: “لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً.. ولكن لا حياةَ لمن تنادي”، وغيرها الكثير من القصص والعِبر. لكن، ورغم كل عناصر التشويق سالفة الذكر، لم يتقدم شغفي بهذه المادة إلا بالشيء اليسير؛ ذاك الذي يضمن لي درجة اجتياز علامة النجاح بقليل. فالإحباط القديم كان لا يزال يلازمني، خاصة مع فقداني للقواعد الأساسية والمفاهيم الرياضية التي يُبنى عليها سائر العلم. ودار فلك الزمان وطوى تلك المرحلة، لألجَ عتبة المرحلة الثانوية. وتبدّل المعلمُ هذه المرة أيضاً، ليتولى تدريسنا الأستاذ خالد العربيات – أسكنه الله فسيح جناته –. وإذ به يسير على خطى الأستاذ عبد الكريم في العطاء والأثر، لتتحرك معه عجلة معرفتي بدفعة قوية إلى الأمام. وهنا تبدل الحال غير الحال؛ إذ انقشع الإحباط، ونما الطموح في نفسي من جديد.
وهكذا، بعد أن انقشع الإحباط ونما الطموح في نفسي من جديد، أدركتُ كم هي ثمينة تلك البذرة التي يغرسها المعلم في نفوس طلابه. لكنني اليوم، وأنا أسترجع تلك المحطة، أجدني مدفوعاً للتساؤل بحرقة: كيف نروي بذرة الطموح هذه لدى شبابنا اليوم؟ إننا نرى طاقاتٍ شابة تتخرج من جامعاتنا بتفوق باهر، يملأها الحماس والشغف لخوض معترك الحياة وبناء الوطن، لكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم في مواجهة واقع مرير؛ حيث يطرقون أبواب البطالة لسنوات عديدة. هذا الواقع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاجاً لسياسات وتخبط إدارات حكومية سابقة، جففت منابع الإبداع، واغتالت الطموح في مهده، وضيقّت الخيارات أمام العقول النيرة.أمام هذا الجدار الإداري المسدود، لم يجد من نجا بطموحه من مقصلة الإحباط خياراً سوى طرق سبل الهجرة؛ بحثاً عن أرض غريبة تحترم فكره، وتروي عطش إبداعه، لتخسر الأوطان أثمن ما تملك: عقول أبنائها فلذات أكبادها. فهل سنرى في المستقبل القريب من يروي بذرة الطموح والابداع قبل فوات الأوان….؟؟؟

