اشكالية حجز سلطة المياه على اموال ورثة المتوفى من وجهة نظر قانونية ؟؟!!

محامي محمد صدقي الغرايبة
تفاحأ الكثير من الاردنيين بصدور قرارات بالحجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة حساباتهم البنكبة دون سابق انذار ، ولدى مراجعتهم للجهات الحاجزة تبين لهم بأن هذه الاموال محجوزة لصالح سلطة المياه والري نتيجة ذمم مالية مترتبة على مورثهم أو جراء العبث بعداد المياه العائد لمورثهم والأكثر من ذلك ان العبث يكون قد حدث بعد وفاة المورث من قبل الوريث المنتفع من الاشتراك!!
ولا يختلف اثنان على أن حماية المال العام والحفاظ على شبكات المياه ومكافحة الاعتداء عليها واجب وطني وقانوني، وأن لسلطة المياه الحق في تحصيل مستحقاتها واتخاذ الإجراءات التي كفلها القانون بحق كل من يعتدي على هذا المرفق الحيوي. إلا أن ممارسة هذا الحق يجب أن تبقى محكومة بمبدأ المشروعية، فلا يجوز أن تمتد آثار الإجراءات التنفيذية إلى أشخاص لا يسألون قانوناً عن الدين، أو أن تتجاوز الحدود التي رسمها القانون في انتقال الالتزامات والتنفيذ عليها.
وفي هذا الإطار، يثار التساؤل حول مدى قانونية الحجز على أموال ورثة مالك اشتراك المياه بسبب مبالغ مترتبة على الاشتراك أو نتيجة ضبط حالة عبث به.
إن اشتراك المياه، من الناحية القانونية، لا يعد جزءاً من التركة بالمعنى التقليدي، وإنما هو علاقة قانونية وتنظيمية تربط المشترك بسلطة المياه، تخضع لأحكام التشريعات والأنظمة النافذة، ولا تنتقل تلقائياً إلى الورثة بمجرد وفاة المشترك، وإنما تحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بنقل الاشتراك أو تنظيم العلاقة الجديدة مع سلطة المياه. ومن ثم، فإن مجرد صفة الإرث لا تجعل الورثة مسؤولين مسؤولية شخصية عن جميع الالتزامات المتعلقة بهذا الاشتراك.
أما إذا كانت المطالبة المالية قد نشأت في ذمة المورث قبل وفاته، فإنها تعد من ديون التركة، ولا تتحول إلى ديون شخصية على الورثة. فالقواعد العامة في القانون المدني تقرر أن الوارث يخلف مورثه في حدود ما آل إليه من أموال التركة، ولا يلتزم بسداد ديونه من أمواله الخاصة، لأن ذمته المالية مستقلة عن ذمة المورث، ولا يجوز الخلط بينهما أو تحميله التزامات لم ينشئها بنفسه إلا في الحدود التي يقررها القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن الحجز على الأموال الخاصة للورثة بسبب دين مترتب على المورث، دون التقيد بحدود التركة أو بما آل إلى كل وارث منها، يثير إشكالاً قانونياً حقيقياً، لأنه يصطدم بمبدأ استقلال الذمم المالية، ويؤدي عملياً إلى تحميل الورثة التزاماً شخصياً لم ينشأ في ذممهم.
كما أن إجراءات الحجز ذاتها تخضع لمبدأ التناسب، فلا يجوز أن يكون الحجز أوسع من مقدار الدين المطالب به، ولا أن يمتد إلى جميع الأموال العائدة لجميع الورثة بصورة جماعية ودون تمييز، لأن الحجز ليس عقوبة، وإنما وسيلة قانونية لضمان استيفاء الحق، ويجب أن يمارس بالقدر اللازم فقط، وبما يحقق التوازن بين حق الإدارة في التحصيل وحق الأفراد في حماية ملكيتهم الخاصة.
وفي المقابل، فإن القول بعدم مسؤولية الورثة عن ديون مورثهم خارج حدود التركة لا يعني إعفاءهم من المسؤولية بصورة مطلقة. فإذا استمر أحد الورثة أو جميعهم بالانتفاع باشتراك المياه بعد وفاة المورث، أو بقي الاشتراك تحت حيازتهم وسيطرتهم الفعلية، فإنهم يصبحون مسؤولين عما ينشأ خلال فترة انتفاعهم من التزامات أو مخالفات، لا بصفتهم ورثة، وإنما بصفتهم الحراس والمنتفعين بالاشتراك. فمن يتولى حراسة الشيء يلتزم بالمحافظة عليه ومنع إساءة استعماله، ومن يستمر في الانتفاع به يتحمل تبعة ما ينشأ عن هذا الانتفاع من التزامات أو أضرار وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، وبالتالي فإن أي عبث أو استجرار غير مشروع للمياه يقع بعد وفاة المشترك يسأل عنه من كان حائزاً أو منتفعاً أو حارساً للاشتراك وقت وقوعه، لا باعتباره وارثاً، وإنما باعتباره صاحب السيطرة الفعلية على الاشتراك.
ومن هنا، فإن التفرقة بين ديون المورث السابقة على الوفاة، والالتزامات التي تنشأ بعد الوفاة نتيجة استمرار الانتفاع بالاشتراك، تمثل حجر الأساس في تحديد المسؤولية القانونية. فالأولى تبقى ديوناً على التركة في حدودها القانونية، أما الثانية فهي مسؤولية شخصية تقع على من باشر الانتفاع أو الحراسة أو ارتكب المخالفة.
إن حماية المال العام لا تتعارض مع حماية الحقوق الفردية، بل إن سيادة القانون تقتضي الجمع بين الأمرين، بحيث يتم تحصيل الحقوق وفق الإجراءات التي رسمها القانون، دون توسع في تفسير المسؤولية أو تحميل الورثة ما لا يلزمهم قانوناً. فالعدالة لا تتحقق بمجرد الوصول إلى النتيجة، وإنما تتحقق عندما تكون الوسيلة ذاتها مشروعة، وتحترم مبدأ شخصية الالتزام، واستقلال الذمم المالية، وحدود مسؤولية الورثة، ومبدأ التناسب في التنفيذ، وهي جميعها مبادئ تشكل ركائز أساسية في دولة القانون والمؤسسات.
المحامي محمد صدقي الفرايبه

