بين “هبش” العامّة و”تسهيلات” الكِبار // بكر عبد الحافظ الخليفات

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال، قال رسول الله ﷺ: «إنَّما أهْلَكَ الَّذِين قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ».
لا جَرَم .. إن هذا النهج النبويّ ليس مجرد وعظ ديني محدود الفترة إنما هو ديني و تاريخي صالح لكل جيل وقبيل في كل زمان ومكان، فهو تشخيص دقيق لواقع عاشته وتعيشه اليوم أمم و شعوب هذه البسيطة لا سيما شعوب الدول النامية، حيث تحولت “الفتاشات” الحكومية إلى أدوات تضليل مكشوفة لا تنطلي إلا على بعض فئات العامة ولا تنطلي على كل ذي لب وبصيرة. فكلما عجزت الحكومات وعجزها دائم عن تحقيق أدنى سبل الرخاء للمواطن وسبل العيش الكريم، هربت من فشلها الذريع، والتفتت إلى جيب المواطن بأساليب جباية مبتكرة، ورحلات استدانة لا تنتهي. ديون مستدامة تُسحب باسم الشعب، ولا أحد يعلم في أي مصرف صُرفت، ولا أي سبيل سلكت! لكن المضحك المبكي هو تبدل المصطلحات والموازين عندما تفوح رائحة الفساد وتتضارب المصالح يتغير الكلم عن مواضعه، فإذا امتدت يد المواطن البسيط للحاجة، قيل عنه “لص” و”هابش” و”لاطش”، وطُبقت عليه أغلظ العقوبات. أما إذا كان الفاعل من “النخبة” والأعزاء، تحول الفعل بقدرة قادر إلى “تسهيلات” أو “تضارب مصالح”. أو إلى مسمى يليق بصاحب السعادة. ذلك أن المسمى الثاني يليق بمسمى العزيز ، والمسمى الأول لا يليق إلا لشخوص العامة؛ وجلاء ذلك أنه حينما يشتد الضغط وتزكم الروائح الأنوف، يتم تقديم كبش فداء لتهدئة الرأي العام، حتى وإن كان من المقربين قبل الخلاف ، لكن مع الرحمة المبطنة ولا غرابة بذلك ففي لحظة الحساب الزائف، والكيل بمكيالين تتدخل “المعزة” لتلغي القطيعة ليُنقل العزيز إلى مسمى يليق بمقامه، وتُحاك له سيناريوهات الخروج الآمن، بينما تُترك للعامة الألقاب المهينة والمصير الأسود.
إن سياسة الكيل بمكيالين يا سادة، والتغطية على الفشل التنموي بمزيد من القروض والجباية، هي الوصفة التاريخية المجربة لخراب الدول والمجتمعات. فالتاريخ يصدقنا ولا يكذبنا ويعلمنا أن الجباية حينما تصبح نهج، والفساد حينما يصبح وجهة نظر شرعية للكبار، فإن البناء كله يتداعى، ولن تنفع حينها كباش فداء ولا مسميات “تسهيلات” مغسولة.
.

