الجنرال إكسبيكتور “General Inspector”

محامي محمد صدقي الغرايبة
وظاهرة الرقابة الرقمية:
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل الافتراضي بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحات موازية لصناعة الرأي العام وممارسة الرقابة الشعبية ولعل صفحة الجنرال إكسبيكتور تتربع اليوم على رأس الظواهر الرقمية الأكثر إثارة للجدل في مشهدنا المحلي بعدما اختارت لنفسها خطاً هجومياً يتبنى كشف ملفات الفساد والتجاوزات الإدارية والمالية مدعمةً طروحاتها بوثائق ومعلومات تصنفها كأدلة دامغة على مكامن الخلل .
هذا الحضور الصاخب فرز الشارع المتابع إلى معسكرين حيث يرى المعسكر الأول في الصفحة متنفساً رقابياً مطلوباً وصوتاً جريئاً نجح في تسليط الضوء على ملفات مسكوت عنها معتبرين أن هذا النمط من الإعلام البديل يكمل الدور الغائب لبعض الجهات ويضع المسؤول تحت مجهر المساءلة الشعبية الفورية بينما يقابل المعسكر الثاني هذا الصعود بحالة من التوجس والتشكيك مسعياً إلى التقليل من قيمة ما يُنشر أو الطعن في النوايا وصولاً إلى رمي الصفحة باتهامات معلبة مثل خدمة أجندات خارجية أو التحرك بدوافع كيدية .
غير أن إلقاء التهم جزافاً لا يكفي لإسقاط ما تنشره الصفحة فالفيصل الحقيقي والوحيد هنا هو قيمة الوثيقة ومدى صحة البيانات المقدمة ومقدار الجدية والشفافية التي تتعامل بها الجهات الرسمية والمختصة مع هذه البلاغات الرقمية.
وعند تفكيك بنية الخطاب المضاد للصفحة نجد أن جزءاً غير يسير من الهجوم لا ينطلق من أرضية موضوعية تفند الأرقام والوثائق بل يتغذى على اعتبارات شخصية ومصالح متبادلة لاسيما عندما تمس المنشورات شخوصاً أو جهات ترتبط بالمنتقدين بعلاقات مباشرة أو نفعية ليخرج النقد بذلك عن مساره البنّاء ويتحول إلى محاولة لاغتيال الشخصية المعنوية للمنصة بدلاً من تقديم ردود علمية ومقنعة تدحض الحجة بالحجة، ومع ذلك يجب التأكيد على أن النقد الموضوعي ليس حقاً مشروعاً فحسب بل هو صمام أمان حقيقي.
فالشفافية تقتضي ألا تكون أي منصة ترفع شعار محاربة الفساد فوق النقد أو المراجعة بل يجب أن تخضع أدواتها ومعلوماتها لأعلى معايير التدقيق والتحقق من قِبل المتابعين والمهتمين على حد سواء.
وبالانتقال إلى الأداء الاتصالي لصفحة الجنرال إكسبيكتور ذاتها يؤخذ عليها في بعض المحطات انزلاقها إلى لغة حادة وأساليب هجومية في ردودها على المنتقدين محاكيةً بذات الحدة الأسلوب الذي استُخدم ضدها ورغم أن هذا السلوك قد يُفهم سياقياً كفرع من فروع رد الفعل الطبيعي على حملات الشيطنة والاستهداف إلا أنه لا يستقيم مع منصة تقدم نفسها كحامية للحقيقة ومحاربة للفساد .
إن قوة الموقف الإصلاحي والرقابي لا تكمن أبداً في حدة اللفظ أو الصراخ الرقمي بل في رصانة الخطاب وعمق الدليل والمنصات التي تحمل رسائل وطنية وتوعوية تكتسب موثوقيتها واستمراريتها من ترفعها عن الشخصنة والمهاترات الجانبية ،فالحفاظ على رقي الحوار وقيمته يقطع الطريق تماماً على من يحاولون جر القضية إلى سجالات شخصية ضيقة تهدف بالدرجة الأولى إلى تشتيت الرأي العام عن جوهر التجاوزات والقضايا المطروحة.
علينا أن ندرك جميعاً أن معركة مكافحة الفساد ليست حكراً على صفحة أو شخص أو جهة بعينها بل هي مسؤولية تشاركية ومجتمعية ومؤسسية تجمع أجهزة الدولة بالمواطن وكل قضية تُثار عبر الفضاء الرقمي يجب أن تخضع للتحقيق والتدقيق عبر القنوات القانونية الرسمية فإن ثبتت صحتها وجبت المحاسبة الفورية صوناً للحق العام وإن تبين زيفها وجبت المساءلة والردع بقوة القانون.
وحتى لا اكون في موضع الاتهام فأنني اؤكد بأن هذه القراءة التحليلية لا تعبر بأي حال من الأحوال عن تمترس شخصي خلف فكرة التأييد المطلق أو المعارضة الشرسة لصفحة الجنرال إكسبيكتور بل هي رصد موضوعي لظاهرة مجتمعية فرزت الآراء بين حاضنة شعبية ترى فيها عيناً رقابية تكشف مواطن الخلل ونخبة ترى وجوب مراجعة بوصلتها ومضمونها وأسلوبها.
إن كل مواطن غيور على وطنه ومؤسساته يقف حتماً في خندق واحد مع كل جهد مخلص يسعى لحماية المقدرات وصون المال العام وترسيخ قيم النزاهة والشفافية إذ إن المعيار الحقيقي والنهائي في هذه المعادلة الوطنية ليس اسم الشاهد ولا عنوان المنصة بل الغاية النبيلة المتمثلة في صون الوطن وتحصينه في إطار من الموضوعية المطلقة وسيادة القانون العادل والناجز.
المحامي محمد صدقي غرايبه

