عجلون.. حزمة مشاريع طموحة وإستراتيجيات مبتكرة لحماية التنوع الحيوي

عجلون – تقود محمية غابات عجلون للمحيط الحيوي والتنوع الحيوي خطوات متسارعة وجهودا دؤوبة، بهدف إحداث نقلة نوعية في مرافقها وبرامجها السياحية والبيئية.
وباتت المحمية اليوم نموذجا عالميا رائدا، وتسعى عبر رؤية مستقبلية واضحة إلى كسر موسمية السياحة وتنشيط السياحة الشتوية، بالتوازي مع إطلاق إستراتيجيات وقائية حديثة لحماية الثروة الحرجية وتعزيز الشراكة المستدامة مع المجتمع المحلي.
ويبين مدير محمية غابات عجلون للمحيط الحيوي، عدي القضاة، أن الخطة المستقبلية للمحمية تتضمن استحداث مسارات جديدة، لتوفير تجارب سياحية متنوعة تسهم في التنمية المحلية والمجتمعية، والتعريف بمناطق جديدة ضمن محيط المحمية. ويشير إلى أن الخطة تشمل تطوير مطعم برية البلوط من خلال إغلاق الصالات المفتوحة وتحويلها إلى صالات بانورامية مغلقة تتناسب مع فصل الشتاء، بهدف تعزيز السياحة الشتوية في محافظة عجلون، وضمان استمرارية تشغيل المطعم، والمحافظة على فرص العمل لأبناء وبنات المجتمع المحلي خلال فصل الشتاء. ويضيف أن الخطة تتضمن تطوير البنية التحتية، من خلال استبدال أنظمة التكييف التقليدية بأنظمة صديقة للبيئة وأكثر كفاءة، وتوسيع اتفاقيات مقدمي الخدمات، إلى جانب تطوير المرافق بما يسهم في تقديم خدمات ذات جودة عالية. ويشير إلى أن العمل جارٍ على إعداد وثيقة استراتيجية للابتكار في حماية الغابات، تقوم على نموذج جديد ينتقل من مفهوم حماية الغابات بعد وقوع الضرر إلى مفهوم الوقاية ومنع أسباب الضرر قبل وقوعه، باستخدام أحدث التقنيات وبما يواكب أفضل الممارسات العالمية في إدارة المناطق المحمية.
ويؤكد القضاة أن حصول المحمية على الاعتراف الدولي ضمن شبكات المحيط الحيوي التابعة لمنظمة اليونسكو يعكس قيمتها البيئية العالمية، ويمثل ثمرة ثقة وشراكة حقيقية بُنيت مع المجتمعات المحلية والأجهزة التنفيذية والحاكمية الإدارية، ما أسهم في تسويق المحمية عالميا، وجعلها قيمة مضافة ومركزا للتدريب والتطوير وتحسين الأداء.
ويلفت إلى أن المحمية تنفذ عددا من البرامج، تشمل البحث والدراسات، والمراقبة، والحماية، والتفتيش، والتعليم البيئي، والسياحة البيئية، والتواصل مع المجتمع المحلي وصناع القرار.
ويقول: “من بين الإنجازات التي حققتها إدارة المحمية تطوير وتوسعة مطعم برية البلوط بدعم من مجلس المحافظة، وتنفيذ برنامج فرسان الطبيعة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، بهدف تدريب 450 طالبا وطالبة، والمشاركة في حملات النظافة، وزراعة ألف شجرة ضمن البرنامج الوطني للتحريج، وتطوير الخدمات السياحية والبيئية وفق أحدث الممارسات العالمية، فضلا عن مساهمة المحمية في التنمية المحلية وتنفيذ برامج تدريبية تستهدف الشباب والمرأة”.
ويبين القضاة أن المحمية تضم ستة مسارات سياحية، توفر برامج للسياحة البيئية تشمل خدمات الإقامة والطعام والشراب، وقرية ألعاب المغامرة، وأنشطة السياحة التجريبية مع المجتمع المحلي، لافتا إلى أن المحمية استقبلت العام الماضي 177 ألف زائر، فيما بلغ عدد زوارها خلال النصف الأول من العام الحالي 35 ألف زائر.
وثيقة مبتكرة لحماية الغابات
على الصعيد البيئي وحماية التنوع الحيوي، تعمل المحمية بالتعاون مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة على إعداد وثيقة إستراتيجية للابتكار في حماية الغابات، تعتمد على نموذج جديد كليا ينتقل من مفهوم معالجة الضرر بعد وقوعه إلى مفهوم الحماية الوقائية القائمة على منع أسباب الضرر قبل حدوثه، باستخدام أحدث التقنيات وأفضل الممارسات العالمية في إدارة المناطق المحمية.
ويلفت القضاة إلى أن البرنامج التنفيذي يهدف إلى الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، ووضع حد لهذه الظاهرة، وتعزيز ثقافة المسؤولية الفردية والجماعية تجاه النظافة، وربطها بالقيم الأخلاقية والثقافية والدينية، وإبراز الأثر الاقتصادي والسياحي للإلقاء العشوائي، ودعم الجهود الرسمية في التوعية والتطبيق، وصولا إلى تغيير سلوكي ملموس ومستدام بحلول نهاية عام 2026.
ويبين أن البرنامج يتضمن تنظيم زيارات مدرسية إلى المحمية، وتطبيق أنشطة عملية بواقع زيارة واحدة في كل فصل دراسي، بحيث تكون الزيارة الأولى في فصل الخريف، والثانية في فصل الربيع، بهدف إثراء الطلبة بالمهارات والمعارف والسلوكيات البيئية، ليصبحوا قادرين على الإسهام في حماية الطبيعة داخل مدارسهم ومجتمعاتهم.
ويشير إلى أن 400 طالب وطالبة من المدارس المحيطة بمحمية غابات عجلون للمحيط الحيوي شاركوا في المرحلة الثانية من برنامج فرسان الطبيعة، حيث نفذوا نشاطات تعليمية للتعرف إلى أثر المهددات على النظام الغابوي والتنوع الحيوي والتربة، بهدف بناء جيل يحافظ على استدامة الغابات، ويرفع الوعي بعواقب السلوكيات الفردية على الصحة والاقتصاد والتنوع الحيوي والتربة، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والبيئية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني في تعديل السلوكيات العامة.
خطوة إستراتيجية
يرى خبراء في قطاعي السياحة والبيئة أن التوجهات الجديدة لمحمية غابات عجلون تشكل خطوة استراتيجية في التوقيت المناسب، مشيرين إلى أن تطوير مرافق المحمية لتتلاءم مع فصل الشتاء يسهم في معالجة أبرز التحديات التي تواجه السياحة في عجلون، والمتمثلة في موسمية القطاع. ويوضحون أن هذا التحول يضمن تدفقا ماليا مستمرا للمجتمع المحلي، ويحافظ على وظائف عشرات الشباب والفتيات من أبناء المحافظة الذين يعتمدون على المحمية مصدرا رئيسا للدخل على مدار العام.
كما يؤكد مختصون بيئيون أن اعتماد المحمية على التكنولوجيا الحديثة يمثل نقلة نوعية في إدارة المحميات الطبيعية في الأردن، لأن التغير المناخي وازدياد الجفاف يرفعان من مخاطر الحرائق والآفات الحرجية، فيما يسهم الاعتماد على التدابير الاستباقية والرصد الذكي في حماية التنوع الحيوي الفريد قبل تكبد خسائر بيئية يصعب تعويضها. ويشيرون إلى أن دمج المدارس المحيطة في البرامج التوعوية يمثل الاستثمار الأنجع لحماية الغابات على المدى الطويل، لأن الجيل الناشئ الذي يشارك في إستراتيجيات الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات سيصبح خط الدفاع الأول عن البيئة، ما يقلل الكلف الحكومية المخصصة لإعادة التأهيل، ويعزز الوعي المجتمعي.
من جانبه، أكد محافظ عجلون نايف الهدايات أن محمية غابات عجلون تعد من أبرز الوجهات السياحية في المملكة، لافتا إلى أنها تستقطب زوارا من مختلف دول العالم، بفضل دورها في مجال السياحة البيئية والبرامج التي تنفذها لتوفير أفضل الخدمات للزوار، والتطور المستمر الذي تشهده وفق خطط مدروسة، خاصة في مجالي الحماية والاستدامة. ودعا إلى تقديم مختلف أشكال الدعم والمساندة للمحمية، لتمكينها من تنفيذ برامجها وأنشطتها، وإدامة الخدمات التي تقدمها للزوار.
وأعرب الهدايات عن اعتزازه بالشراكات القائمة بين المحمية والمؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، والتي أسهمت في تعزيز دورها.
وثمن الدعم الملكي المتواصل للمحمية، مستذكرا وضع جلالة الملك عبدالله الثاني حجر الأساس للأكاديمية الملكية لحماية البيئة عام 2009، وافتتاحها لاحقا من قبل سمو ولي العهد، مجددا دعوته للمواطنين والمزارعين في المناطق المحيطة إلى التعاون مع مديرية الدفاع المدني وإزالة الأعشاب الجافة للحد من مخاطر الحرائق.
وفي سياق متصل، يواصل أعضاء اللجنة الاستشارية للمحمية، التي تضم مديري دوائر رسمية ورؤساء بلديات وإعلاميين وأبناء المجتمع المحلي، دراسة وتقديم أفكار ومقترحات مبتكرة لتطوير العمل داخل المحمية، بما يضمن استقطاب المزيد من الزوار محليا ودوليا، والحفاظ على ديمومة هذا الإرث الطبيعي الفريد.

