كازاخستان والإمارات.. شراكة اقتصادية استراتيجية ترسم ملامح مرحلة جديدة

بقلم : الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

أستانا – أبوظبي :شهدت العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية كازاخستان خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، لتصبح واحدة من أبرز الشراكات الاقتصادية بين دول الخليج وآسيا الوسطى. فبعد أن اقتصرت في السابق على التبادل التجاري وعدد محدود من المشاريع الاستثمارية، تطورت اليوم إلى شراكة استراتيجية متكاملة تعكس توجه البلدين نحو تنويع اقتصادهما وتعزيز التعاون في القطاعات المستقبلية.

ويستند هذا التعاون إلى تكامل اقتصادي واضح؛ إذ عملت كازاخستان خلال العقد الماضي على تحسين بيئة الاستثمار عبر إصلاحات تشريعية، وتعزيز الضمانات القانونية، وإطلاق سياسات تستهدف استقطاب الاستثمارات الأجنبية النوعية. وفي المقابل، وسعت الإمارات استراتيجيتها الاستثمارية الخارجية لتشمل الأسواق الواعدة ذات الأهمية الجغرافية والاستراتيجية، مع تركيز متزايد على مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

الطاقة المتجددة في صدارة التعاون

يمثل قطاع الطاقة المتجددة أحد أبرز نماذج هذا التقارب. ففي يونيو 2026، بدأت شركة «مصدر» الإماراتية تنفيذ مشروع محطة رياح بقدرة 1 جيجاواط في إقليم جامبيل الكازاخستاني، باستثمارات تبلغ نحو 1.2 مليار يورو (1.4 مليار دولار أمريكي). ويعد المشروع من أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في آسيا الوسطى، كما يعكس تنامي دور الإمارات في تمويل مشروعات البنية التحتية المستدامة ودعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

كازاخستان.. وجهة الاستثمار الأولى في آسيا الوسطى

رسخت كازاخستان مكانتها كأكبر مستقبل للاستثمار الأجنبي المباشر في آسيا الوسطى، باستقطابها أكثر من 20.5 مليار دولار أمريكيسنوياً، إضافة إلى استحواذها على نحو 89% من إجمالي استثمارات المشاريع الجديدة (Greenfield) في المنطقة.

وقد جذب هذا الأداء اهتمام كبار المستثمرين الدوليين، وفي مقدمتهم هولندا والصين وروسيا، الذين يواصلون توجيه استثماراتهم إلى قطاعات التعدين والصناعة التحويلية والنقل والخدمات اللوجستية.

نمو اقتصادي مستقر رغم التحديات

ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يحافظ الاقتصاد الكازاخستاني على نمو مستقر خلال عام 2026، وإن بوتيرة أكثر اعتدالاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتشديد الأوضاع المالية العالمية. وتشير التقديرات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 3.5 و4.5%، مدعوماً بالاستثمارات في البنية التحتية والصناعة والزراعة والنقل والتحول الرقمي.

ورغم استمرار أهمية قطاع النفط، فإن الاستثمارات تتجه بصورة متزايدة نحو القطاعات غير النفطية، في إطار استراتيجية الدولة لتنويع الاقتصاد. كما يُتوقع أن يبقى معدل التضخم في حدود 10–11%، مع احتمال لجوء البنك الوطني الكازاخستاني إلى تخفيف السياسة النقدية تدريجياً إذا استمرت الضغوط التضخمية في التراجع.

استثمارات ضخمة في البنية التحتية للنقل

استثمرت كازاخستان أكثر من 35 مليار دولار أمريكي في تطوير البنية التحتية للنقل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، ما عزز موقعها كمحور رئيسي للتجارة بين آسيا وأوروبا. وتمر اليوم عبر أراضيها نحو 80% من حركة الشحن بالسكك الحديدية بين الصين وأوروبا، وهو ما يعزز دورها في سلاسل الإمداد العالمية.

وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية الرئيس قاسم جومارتتوكاييف الرامية إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 450 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، واستقطاب 150 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على الصناعات التحويلية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والقطاعات ذات القيمة المضافة.

وخلال النصف الأول من عام 2026، واصل الاقتصاد الكازاخستاني تسجيل أداء إيجابي مدعوماً بارتفاع الاستثمارات وثقة القطاع الخاص، حيث ارتفعت الاستثمارات الخاصة بنسبة 21.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتشكل 87% من إجمالي الاستثمارات الرأسمالية، فيما ارتفعت الاستثمارات في الأصول الثابتة بنسبة 9.6%.

تحسن في المؤشرات الاقتصادية

كما انعكس تحسن الأداء الاقتصادي على مستويات المعيشة، إذ عادت الدخول الحقيقية للأسر إلى النمو خلال الربع الأول من عام 2026 بعد تراجعها في العام السابق، مدفوعة بانخفاض وتيرة التضخم وتحسن أوضاع سوق العمل. وسجل التضخم السنوي 10.3% في يونيو، الأمر الذي ساهم في دعم القوة الشرائية للأسر بالتزامن مع استمرار الحكومة في تنفيذ سياسات تستهدف رفع الإنتاجية وتحسين مستويات الدخل.

الإمارات… شريك استثماري رئيسي

أصبحت الإمارات اليوم أكبر مستثمر عربي في كازاخستان وأحد أهم شركائها الدوليين، حيث ارتفعت الاستثمارات الإماراتية المباشرة من 328 مليون دولار في عام 2021 إلى نحو 1.6 مليار دولار في عام 2025، فيما تجاوز إجمالي الاستثمارات التراكمية الإماراتية 7 مليارات دولار.

وشهدت العلاقات الاقتصادية دفعة قوية خلال زيارة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى كازاخستان عام 2025، حيث وقع الجانبان أكثر من 20 اتفاقية ومذكرة تعاون بقيمة تجاوزت 5 مليارات دولار، شملت الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والصناعة، والخدمات المالية، لتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي طويل الأمد.

حضور متنامٍ للشركات الإماراتية

ويواكب هذا الزخم توسع ملحوظ في حضور القطاع الخاص الإماراتي، إذ تعمل اليوم نحو 500 شركة إماراتية في كازاخستان في مجالات الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتمويل، والتكنولوجيا، والإنشاءات، والزراعة، والرعاية الصحية، والعقارات.

كما شجعت هذه الشراكة على زيادة الاستثمارات الإماراتية في مراكز الخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للنقل، وتحديث الأنظمة الجمركية، والحلول الرقمية لسلاسل الإمداد، مستفيدة من الخبرات الإماراتية المتقدمة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، بما يعزز مكانة كازاخستان كمركز محوري للتجارة والنقل في منطقة أوراسيا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة