إدراج المحمية البحرية على قائمة اليونسكو.. العقبة أمام آفاق جديدة للسياحة البيئية

كما يشكل هذا الإنجاز نقطة تحول مفصلية في مسيرة العقبة البيئية والتنموية، إذ يمنحها شهادة دولية موثقة بتميز أنظمتها البيئية البحرية وتكويناتها الجيولوجية والتنوع الحيوي الذي تحتضنه، ويعزز مكانتها كإحدى أهم الوجهات العالمية للسياحة البيئية والبحث العلمي، ويفتح آفاقا أوسع لاستقطاب الاهتمام الدولي والاستثمارات البيئية، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى حماية الشعاب المرجانية والموائل البحرية التي تعد من بين الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي على مستوى العالم.
واستند الإقرار الأممي إلى تلبية المحمية لمعايير علمية دقيقة وصارمة، وتحديدا المعيارين الطبيعيين التاسع والعاشر من معايير التراث العالمي، وهو ما يشكل تقديرا أمميا رفيع المستوى لما تتمتع به هذه البقعة الجغرافية الساحرة من عمليات بيئية استثنائية وتنوع حيوي بحري فريد، فضلا عن إسهامها العالمي الملموس في حماية الأنواع والنظم البيئية البحرية المهددة بالانقراض، لتصبح العقبة اليوم حصنا منيعا يذود عن مقدرات الطبيعة ويقدم للعالم نموذجا حيا لكيفية صون الحياة البحرية، خاصة في ظل ما أثبتته الدراسات العلمية الحديثة من أن الشعاب المرجانية في خليج العقبة تعد من أكثر الشعاب قدرة على التكيف والصمود في وجه الارتفاع المطرد لدرجات الحرارة، ما يمنحها قيمة علمية وبيئية متزايدة ومضاعفة في مواجهة تحديات التغير المناخي الشرسة التي باتت تهدد بانهيار النظم البحرية حول العالم، لتغدو مرجانيات العقبة بمثابة بنك جيني وملاذ آمن قد يحمل الحلول لإنقاذ محيطات الأرض.
التنمية الاقتصادية الشاملة
وبحسب خبراء البيئة والتنوع الحيوي، فإن أهمية هذا الإنجاز تتجلى في كونه يتجاوز البعد البيئي البحت ليمثل مكسبا سياديا واقتصاديا للدولة الأردنية، حيث يعزز من مكانة المدينة كنموذج ريادي يجمع بانسجام تام بين التنمية الاقتصادية الشاملة والحفاظ الصارم على البيئة، ويدعم بقوة توجهات المملكة الإستراتيجية نحو ترسيخ مفاهيم التنمية المستدامة والاقتصاد الأزرق، إلى جانب فتح آفاق جديدة وواعدة أمام السياحة البيئية المتخصصة التي تستقطب السياح الباحثين عن الطبيعة البكر، فضلا عن جذب الاستثمارات الخضراء المرتبطة بالمحافظة على الموارد الطبيعية وتطويرها بما يخدم المجتمعات المحلية، وهو ما يعكس الرؤية الملكية الثاقبة التي طالما وجهت نحو استثمار الموارد الطبيعية بحكمة واقتدار.
ويشير الباحث والخبير البيئي، إيهاب عيد، إلى أن هذا النجاح هو ثمرة مسيرة وطنية ملهمة امتدت لما يقارب خمسة عقود من التخطيط المؤسسي العميق والدراسات العلمية الرصينة، حيث يوضح الباحث أن إعداد هذا التوثيق جاء بهدف تخليد رحلة شارك في صناعتها نخبة من العلماء والباحثين وصناع القرار، وتوجتها الإرادة السياسية الصلبة والدعم الملكي المباشر بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، والمتابعة الحثيثة والميدانية لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، مبينا نجاح هذه الجهود في انتزاع اعتراف دولي صريح بامتلاك المحمية لقيمة عالمية استثنائية، وهو المفهوم الذي يعني تمتع الموقع بأهمية طبيعية فريدة تتجاوز الحدود الجغرافية الوطنية لتشكل إرثا مشتركا للإنسانية جمعاء.
وبالعودة إلى التسلسل الزمني لهذه الرحلة، يقول عيد إن السجلات تكشف عن إيمان أردني مبكر وعميق بأهمية البيئة البحرية، حيث انطلقت أولى الخطوات العملية في عام 1975 بتخصيص شريط ساحلي لمحطة العلوم البحرية جنوب ميناء الركاب، تلاها في عام 1977 تمويل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لدراسة متكاملة أوصت بإنشاء منطقة محمية، لتتواصل إثر ذلك الدراسات العلمية طوال ثمانينيات القرن الماضي، محذرة من مغبة التطوير الساحلي العشوائي ومؤكدة ضرورة إيجاد إطار قانوني للحماية.
وأضاف أنه في منتصف الثمانينيات، وُثّقت الخصائص الجيومورفولوجية للشعاب المرجانية، مما وفر قاعدة علمية صلبة للتخطيط الحضري الذي أوصى في عام 1987 بدمج البيئة في المخطط الشمولي للعقبة، لتتبلور هذه الجهود في عام 1991 عبر الإستراتيجية الوطنية للبيئة التي دعت إلى إنشاء متنزه بحري وطني.
وتابع عيد: لم تتوقف عجلة التخطيط والعمل المؤسسي، حيث شهد عام 1996 إطلاق خطة العمل البيئية الشاملة لخليج العقبة، لتنتقل الفكرة إلى حيز التنفيذ في عام 1997 بقرار مجلس الوزراء إنشاء متنزه بحري يمتد لنحو سبعة كيلومترات، والذي حمل في عام 1999 اسمه الرسمي “متنزه العقبة البحري”، معلنا بدء مرحلة الإدارة المؤسسية التي تكللت بإعداد خطط إدارة متكاملة وتحديثها بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصولا إلى العام المفصلي 2019 الذي شهد صدور التوجيهات الملكية السامية بضرورة توفير أعلى درجات الحماية للبيئة البحرية، لتتوج هذه الرؤية في حزيران 2020 بصدور الإرادة الملكية السامية بإعلان الموقع محمية بحرية وطنية، وإعلان مجلس الوزراء لاحقا إنشاء المحمية رسميا على مساحة تبلغ نحو 8.2 كيلومتر مربع، لتغطي قرابة 30 بالمائة من المياه الإقليمية الأردنية، ممهدة الطريق نحو هذا اليوم التاريخي.
الإدارة البيئية الرشيدة
من جهته، أكد رئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، شادي المجالي، أن إدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي يمثل مصدر فخر واعتزاز لكل أردني، ويعكس بوضوح التزام المملكة الراسخ بحماية أحد أهم النظم البيئية البحرية على مستوى العالم، مشددا على أن هذا الاعتراف الدولي يضاعف المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق الجهات كافة للحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية للمحمية وصونها بكل أمانة لتتسلمها الأجيال القادمة وهي في أبهى صورها، في حين بين أن العقبة اليوم تدخل مرحلة جديدة من الإدارة البيئية الرشيدة التي تتطلب تضافر الجهود الوطنية والمحلية كافة.
ومن وجهة نظر الخبير البيئي محمد الخطيب، فإننا نقف اليوم أمام مختبر طبيعي عالمي مفتوح، فالشعاب المرجانية في العقبة بنك جيني حي يمتلك مفاتيح الصمود في وجه الاحترار العالمي، وهذا الإدراج من قبل اليونسكو سيوجه بوصلة التمويل البحثي العالمي نحو الأردن ليصبح مرجعا دوليا في دراسات التكيف المناخي، مما يفتح آفاقا غير مسبوقة للتعاون العلمي مع أعرق الجامعات ومراكز الأبحاث الدولية التي تبحث عن حلول لإنقاذ الشعاب المرجانية في المحيطات الأخرى.
من جانبها، تبين الدكتورة في السياحة الاقتصادية، ريم البكر، أن العقبة دخلت رسميا نادي وجهات السياحة البيئية النخبوية في العالم، فالسائح الدولي المعاصر يبحث بشغف عن المواقع المصنفة ضمن التراث العالمي لما تمثله من التزام صارم بالاستدامة، وهذا يفرض على القطاعين العام والخاص التحرك فورا لإعادة هندسة المنتج السياحي، وتطوير نزل بيئية ومسارات غوص علمية تحترم القدرة الاستيعابية للمحمية، مما سيترجم حتما إلى عوائد اقتصادية مضاعفة وفرص عمل نوعية ومستدامة لأبناء المجتمع المحلي.
وتكشف السجلات العلمية الموثقة عن احتضان محمية العقبة البحرية لمنظومة بيئية شديدة التعقيد والجمال، تشمل مروج الأعشاب البحرية التي تعمل كرئة طبيعية تنقي مياه الخليج، وتضم بين طياتها أكثر من 150 نوعا من الشعاب المرجانية الصلبة التي تبني هياكل معمارية طبيعية مذهلة، إضافة إلى أكثر من 500 نوع من الأسماك ذات الألوان البديعة، ونحو ألف نوع من الرخويات، فضلا عن العديد من الكائنات البحرية المتوطنة والنادرة والمهددة بالانقراض، ما يجعل من هذه البقعة الجغرافية الصغيرة نسبيا واحدة من أكثر المناطق البحرية كثافة وتنوعا وثراء على مستوى الإقليم والعالم بأسره، وهو ما يفسر الاهتمام العالمي المتزايد بدراسة هذه المنظومة وحمايتها.

