ثنائية ارتفاع الحرارة ونقص المياه تضع مزارعي عجلون أمام تحديات حماية المحاصيل

عجلون – تفرض أشهر الصيف وما يرافقها من حرارة لاهبة، تحديات كبيرة على المزارعين في عجلون، إذ يتحتم عليهم توفير كميات من المياه لري أشجارهم وكرومهم المروية للتقليل من الإجهاد الحراري، ومنع جفافها وتراجع إنتاجها، وهي مياه لا تكاد تتوفر لهم عبر الأقنية، ما يضطرهم إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج بكلف باهظة لحمايتها من الجفاف.

ويؤكد مزارعون، أن أكثر الأشجار تضررا هي الحمضيات، وتليها أشجار الزيتون وهي على أبواب الموسم في مثل هذا الوقت من السنة، مؤكدين أن بعضهم تخلى عن زراعة أنواع من الأشجار كالليمون، بل واجتثاثها من كرومهم، لأنها تحتاج إلى كميات ري كبيرة ومنتظمة، وهي غير متوفرة، بينما أعربوا عن تخوفهم من تراجع إنتاج ثمار الزيتون ومادة الزيت في الموسم المقبل.
وعلى بعد نحو شهرين من موعد القطاف المعتاد، يجد المزارعون أنفسهم غير قادرين على تأمين كميات كافية من المياه لأشجارهم، جراء عدة أسباب تتمثل بتراجع جريان الأودية، وبالتالي تدني حصصهم، إضافة إلى ارتفاع نسبة الفاقد في الأقنية التي تحتاج إلى الصيانة والتبطين، ما بات يضطرهم إلى دفع مبالغ إضافية نتيجة شرائهم للمياه من الصهاريج، وأجور العمال الذين يتم الاستعانة بهم في عملية الري.
وأكدوا أن هذه الفترة، لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة صيفا، وبدء عملية نضوج الثمار التدريجية التي بدأت وتستمر خلال الأسابيع القليلة المقبلة، هي أحوج ما تكون فيها الأشجار إلى عمليات الري المنتظمة، ما يسهم في تحسين إنتاجها من الثمار، وزيادة نسبة الزيت عند عصر تلك الثمار.
وبحسب المزارع محمد أبو أسامة، فإنه في ظل تراجع مياه العيون السطحية والأودية خلال الصيف، لا يجد الكثير من المزارعين وسيلة لحماية أشجارهم ومزروعاتهم المختلفة من الجفاف إلا بمحاولتهم جر ما يتيسر لهم من المياه المتبقية في الأودية عبر الأنابيب “البرابيش” بطريقة انسيابية، أو بشراء الصهاريج، متكبدين تكاليفها الباهظة والمشقة في متابعتها وصيانتها على مدار الساعة، مبينا أن ما يدفعهم إلى هذه الوسيلة هو تراجع حصصهم المائية المحددة لهم من خلال الأقنية، التي تعاني من نسب فاقد مرتفعة لحاجتها إلى الترميم والصيانة، وكذلك تراجع كميات المياه المتاحة لتلك الأقنية المنتشرة على الأودية، ما يؤثر على مزروعاتهم وأشجارهم المروية.
وأكد أنه استصلح قطعة أرض قبل نحو عامين وزرعها بأشجار الليمون، إلا أنه لم يتمكن من مواصلة رعايتها لارتفاع درجات الحرارة وقلة المياه، رغم شرائه صهريجا لنقل المياه إلى المزرعة، ما اضطره إلى التخلي عنها والبحث عن أشجار أخرى.
خشية من الجفاف
ويقول المزارع عمر العنانبة إنه كغيره من المزارعين الذين يعانون من محدودية حصصهم المائية من الأقنية، والتي لا تكفي لري أشجارهم، يضطر إلى اللجوء إلى جر مياه الأودية بالبرابيش لحماية أشجاره من الجفاف مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، مشيرا إلى أن الأشجار المروية، خصوصا الزيتون، لا يمكن لها الاستغناء عن كميات كافية من المياه عند ارتفاع درجات الحرارة، وإلا سيؤدي ذلك إلى جفافها وتراجع إنتاجها.
وبين العنانبة أنهم يقومون بجر ما يتبقى من المياه المتدفقة عبر الأودية، بحيث يضعون الأنابيب في طريقها وينقلونها انسيابيًا لمسافات تتعدى عدة كيلومترات إلى أراضيهم، ما يكلفهم مبالغ ليست بالقليلة، ومجهودا بدنيا مضاعفا لاستمرارهم في متابعتها ومنع انسدادها.
أما المزارع حسين الخطاطبة، فيقول إن تراجع المياه الواصلة عبر قنوات الري يؤثر بشكل كبير خلال أشهر الصيف، بحيث تصبح حصة المزارع من عدد الساعات غير كافية لري أشجاره، لا سيما أشجار الزيتون المروية، التي لا يمكن لها مقاومة العطش صيفا كالأشجار البعلية، ما أصبح يدفعهم إلى جر ما يستطيعون من مياه الأودية عبر الأنابيب بسعات مختلفة، مشيرا إلى أن كثيرا من الأقنية تحتاج إلى أعمال تبطين وصيانة باستمرار، وذلك بسبب ما تتعرض له من خراب وتلف جراء ظروف طبيعية أو أخرى متعمدة، ما يستدعي زيادة مخصصات الزراعة في هذا الجانب.
وأضاف أن ما يتبقى من مياه في الأودية، مع تعمق أشهر الصيف وارتفاع درجات الحرارة، بالكاد يكفي لتزويد قناة واحدة من بين عشرات الأقنية المنتشرة على كل واد، خصوصا مع قيام المسابح والشاليهات بسحب كميات من مياه الينابيع السطحية والأودية، مشيرا إلى أن البديل الوحيد لري أشجارهم هو شراء المياه من الصهاريج، في حين أعرب عن قلقه العميق على المساحات الزراعية المروية الممتدة على وادي كفرنجة، التي أصبحت مهددة بالجفاف بسبب تراجع حصصها المائية خلال الصيف.
من جهته، يقترح المزارع سمير الصمادي إسالة مياه عين القنطرة لإنقاذ تلك المساحات الزراعية والأشجار، خصوصا مع إمكانية الاستغناء عن نبع القنطرة المخصص حاليا لأغراض الشرب، وذلك بعد تشغيل الخط الناقل لمياه الشرب من سد كفرنجة، والعمل على صيانة أقنية الري التي تروي مزارع المواطنين للحفاظ على المياه من الهدر والاستنزاف، وحتى تسهم في إدامة الزراعات المروية.
وأضاف أن عموم مناطق محافظة عجلون بدأت تشهد تأثيرات واضحة للتغير المناخي، الأمر الذي بات يشكل تحديا حقيقيا أمام المزارعين والجهات المعنية للحفاظ على مواردها الطبيعية، لافتا إلى المساحات المزروعة بآلاف أشجار الزيتون المعمرة المروية التي تحتاج إلى الري مرات عدة خلال الصيف.
حلول مكلفة وغير مستدامة
بدوره، يؤكد رئيس لجنة مجلس المحافظة المهندس الزراعي معاوية عنانبة أن تراجع منسوب المياه في الأودية دائمة الجريان في المحافظة يتسبب بأزمة حقيقية تهدد المزروعات والأشجار بخطر الجفاف، خاصة مع بداية أشهر الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مشيرا إلى أن هذه الأزمة تتفاقم بفعل المواسم المطرية الشحيحة، ما يؤثر على انخفاض حصص الري عبر الأقنية التقليدية.
وبين أن هذه الأسباب تدفع المزارعين إلى اللجوء إلى حلول مكلفة وغير مستدامة تتمثل في شراء المياه من الصهاريج، أو محاولة جر ما يتبقى في الأودية من مياه، ما يستدعي البحث عن حلول جذرية وعاجلة، لافتا إلى ضرورة الاستفادة من مياه سد كفرنجة لأغراض الري عبر مد خط ناقل لإعادة إسالة المياه من منطقة وادي الطواحين، ما يعني استفادة آلاف الدونمات الزراعية المنتشرة في مناطق كفرنجة.
ودعا العنانبة إلى إيجاد مشاريع مائية ضخمة في المحافظة، ودعم القطاع الزراعي، وتوفير المخصصات الحكومية الكافية له، مشيرا إلى ضرورة استثمار سد كفرنجة لأغراض الشرب والري من خلال إيجاد مضخات وخطوط ناقلة.
يذكر أن مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون في المحافظة تقدر بنحو 87 ألف دونم، منها 63 ألف دونم في لواء القصبة، و24 ألف دونم في لواء كفرنجة.
ووفق أرقام مديرية زراعة المحافظة، فإن نسبة المساحة المزروعة بالمحاصيل الحقلية تبلغ 8514 دونما، فيما تبلغ المساحة المزروعة بأشجار الفاكهة 8585 دونما، في حين تبلغ مساحة الأرض القابلة للزراعة 248 ألف دونم، والمستغل من الأرض القابلة للزراعة 161 ألف دونم، أي بنسبة 64 %.
من جانبه، يوضح مدير زراعة المحافظة المهندس صيتان السرحان أن تراجع مياه الأودية خلال أشهر الصيف يشكل تحديا كبيرا أمام المديرية والمزارعين، بحيث انعكست آثاره على الأشجار المثمرة والحرجية والزراعات بأنواعها، لافتا إلى أن المديرية وضعت مخصصات جيدة لمشاريع الحصاد المائي، في محاولة منها لمساعدة المزارعين.
وأشار إلى وجود عشرات الأقنية المنتشرة على ثلاثة أودية رئيسية في محافظة عجلون، وهي أودية كفرنجة وراجب وعرجان وحلاوة، التي تشكل شريان الحياة لآلاف الدونمات من الأراضي الزراعية المصنفة مروية، مؤكدا أنه يتم سنويا توفير مخصصات لصيانتها بشكل دوري، ودراسة إمكانية إنشاء قنوات جديدة.
أخذ الحيطة والحذر
إلى ذلك، دعت مديريتا زراعة عجلون وكفرنجة المزارعين إلى أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر من موجات الحر، والالتزام بالإرشادات الزراعية الهادفة إلى الحد من آثار الإجهاد الحراري على المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة حفاظًا على الإنتاج الزراعي.
وقال السرحان إن ارتفاع درجات الحرارة يتطلب من المزارعين تكثيف عمليات الري وفق الاحتياجات الفعلية للمحاصيل، ويفضل تنفيذها في ساعات الصباح الباكر أو المساء للحد من فقدان المياه بالتبخر، إضافة إلى تجنب إجراء عمليات التقليم أو التسميد خلال فترات الذروة الحرارية، مؤكدًا أهمية متابعة المزروعات بشكل مستمر لرصد أي أعراض للإجهاد الحراري أو انتشار الآفات التي قد تنشط في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ومراجعة المرشدين الزراعيين للاستفادة من الإرشادات الفنية.
كما أوضح مدير زراعة كفرنجة المهندس حازم العماوي أن المديرية كثفت رسائلها الإرشادية للمزارعين، مؤكدا ضرورة الالتزام بالتوصيات الزراعية، والمحافظة على رطوبة التربة، واستخدام وسائل التغطية المناسبة للتقليل من تأثير أشعة الشمس المباشرة، مع تجنب رش المبيدات والأسمدة الورقية خلال ساعات الحر الشديد، داعيًا مربي الثروة الحيوانية إلى توفير كميات كافية من مياه الشرب النظيفة للحيوانات، وتأمين أماكن مظللة وجيدة التهوية، والحد من تنقلها خلال ساعات الظهيرة لتفادي تعرضها للإجهاد الحراري.
كما بينت مديرة مركز زراعي الجنيد المهندسة رهام المومني أن المركز يواصل تقديم الإرشادات الميدانية للمزارعين، مؤكدة أهمية متابعة الحالة المائية للمحاصيل، والعناية بالأشتال الحديثة والزراعات الصيفية للحفاظ على المزروعات وجودة الإنتاج، وتجنب أي ممارسات زراعية قد تزيد من تعرض النباتات للإجهاد الحراري.

 عامر خطاطبة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة