هل استخدم ترامب أزمة نقص الذخائر والصواريخ ذريعة لوقف التصعيد مع إيران ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

 

لم تكن رواية نقص صواريخ الاعتراض الأمريكية المعلنة رسميا مجرد تفصيل عسكري عابر في سياق المواجهة المتصاعدة مع إيران بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل لأنها كشفت التناقض بين الصورة التي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترسيخها عن الولايات المتحدة باعتبارها قوة عسكرية عظمى لا حدود لقدراتها وبين الحسابات الواقعية التي تفرضها طبيعة الحروب الحديثة حيث لا يكفي التفوق الجوي ولا امتلاك أحدث الأسلحة إذا لم تكن هناك مخزونات تسليحية كافية لتحمل حرب طويلة ومفتوحة .

بعد أيام من التهديدات الأمريكية بشن ضربات واسعة ضد إيران وتوسيع نطاق العمليات العسكرية خرجت تقارير أمريكية مفاجئة تتحدث عن مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من استنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي وخاصة صواريخ الباتريوت والثاد المستخدمة لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وهو ما دفع إدارة ترامب إلى إعادة حساباتها وتأجيل خطط التصعيد الواسع وفقا لما نقلته وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين عسكريين مختصين .

المفارقة الكبرى ظهرت عندما سارع ترامب نفسه إلى نفي وجود أي نقص في العتاد مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك مخزونات ضخمة من الذخائر والأسلحة وأنها قادرة على تنفيذ أي عملية عسكرية تحتاجها في أي مكان وزمان بينما في المقابل تحدث مسؤولون آخرون عن ضغوط حقيقية تواجه المخزونات العسكرية الأمريكية وطالبوا بضرورة تجنب استنزاف القدرات الدفاعية في مواجهة قد لا تكون قصيرة أو محدودة كما يعتقد البعض .

هذا التناقض الواضح والفاضح بين الخطاب السياسي والتقديرات العسكرية يطرح سؤالاً أساسياً هل كانت رواية قصة نقص الصواريخ حقيقة استراتيجية دفعت واشنطن إلى التراجع عن التصعيد أم أنها كانت مجرد مبرر سياسي لتغطية قرارات اتخذت لأسباب أعمق تتعلق بحسابات الحرب المحتملة وتداعياتها الخطيرة .

اللافت ان هناك تيار قوي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية شكك في رواية النقص واعتبرها مبالغاً فيها بل ذهب بعض الخبراء إلى السخرية منها بالقول إن الحديث عن عجز الولايات المتحدة عن توفير صواريخ اعتراض يشبه القول إن الجيش الأمريكي يفتقر إلى طائرات التزود بالوقود وهو تشبيه يعكس الاعتقاد بأن واشنطن لا زالت تمتلك قدرات صناعية وعسكرية ضخمة تجعل الحديث عن نفاد الصواريخ أمراً غير منطقي .

بعض المحللين والمراقبين في ذات السياق اكدوا أن مثل هذا التفسير يتجاهل حقيقة مهمة وهي أن القضية ليست وجود القدرة على تصنيع الصواريخ وإنما القدرة الفعلية على توفيرها بالسرعة التي تتطلبها حرب واسعة النطاق خاصة وان الحروب الحديثة لا تستهلك الطائرات والدبابات فقط بل تستهلك بصورة هائلة الذخائر الذكية والصواريخ الاعتراضية التي أصبحت من أكثر الأسلحة تكلفة وتعقيداً في التصنيع والإنتاج .

مسارات الحرب في أوكرانيا وكثافة الهجمات والنيران خلال السنوات الماضية كشفت أن المخزونات الغربية ليست بلا حدود وأن الدول الكبرى رغم امتلاكها أكبر الجيوش وأكثر الصناعات العسكرية تطوراً الا انها عمليا تواجه تحدي كبير في تعويض الذخائر المستهلكة بوتيرة سريعة عندما تدخل في صراعات طويلة ومكلفة وهو ما ينطبق بدرجة أكبر على أي مواجهة محتملة مع إيران التي تمتلك ترسانة هائلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة كما انها قادرة بسرعة على فتح جبهات متعددة ضد القواعد الأمريكية والحلفاء في المنطقة ما يصعب مهمات التصدي والمواجهة .

استراتيجيا المشكلة التي واجهها ترامب لم تكن فقط في عدد صواريخ الاعتراض الموجودة في المخازن وفي هذا الجانب يبرز السؤال الأخطر المتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل رد إيراني واسع إذا قررت نقل الحرب من مرحلة الضربات المحدودة إلى المواجهة المفتوحة وربما هنا تكون الولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات مدمرة لإيران لكنها تدرك أن الضربة الأولى مهما بلغت قوتها وقسوتها لا تعني انتهاء الحرب وأن الرد المقابل قد يفرض معركة استنزاف تحتاج إلى كميات هائلة من قذائف الدفاعات الجوية والذخائر المتنوعة للقدرة على الرد والصمود .

وفق هذا التصور العملاتي يبدو إن الحديث عن نقص الصواريخ ربما لم يكن كذبة كاملة ولا حقيقة كاملة بل كان جزءاً من معركة الرسائل السياسية والإعلامية بين أطراف الصراع خيث تحتاج واشنطن في هذا الظرف إلى تضخيم المخاطر أحياناً لتبرير التراجع التكتيكي وقد تضطر في أحيان أخرى إلى التقليل من حجم الأزمة للحفاظ على صورة الردع والقوة أمام الخصوم والحلفاء .

المؤكد أن هذه الرواية وسردها بهذه الطريقة يكشف شيئاً مهماً وهو أن القوة الأمريكية ليست مطلقة كما يحاول الخطاب السياسي في واشنطن تصويرها وأن حسابات الحرب لا تُبنى فقط على امتلاك أسلحة متطورة بل ايضا على القدرة الكلية على الاستمرار في استخدامها تحت ضغط الردود المعاكسة وبهذا المنطق قد تكون الولايات المتحدة قادرة فعلا على تدمير أهداف داخل إيران لكنها ليست بالضرورة ذاتها قادرة على التحكم بكل النتائج المترتبة على ذلك.

الاهم في قراءة الدواعي والاسباب يظهر أن قرار تجميد التصعيد لا يمكن فصله عن عوامل أخرى سياسية واستراتيجية حيث أدرك بعض مستشاري ترامب أن توسيع الحرب قد يؤدي إلى نتائج عكسية عبر توحيد الداخل الإيراني خلف القيادة في مواجهة الخطر الخارجي بدلاً من دفعها إلى تقديم تنازلات سريعة كما أن الضربات الواسعة قد تعرض القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا لهجمات متوالية وضغط كبير يضع الحلفاء في المنطقة أمام خيارات صعبة وخوف مستمر .

رغم إن رواية نقص الصواريخ كشف عدة جوانب مهمة من الأزمة المشتعلة منذ اكثر من سنتين لكنها لا يمكنها لوحدها تفسير اسباب وغايات تصريحات ترامب الاخيرة وهو الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على شعار القوة والردع الا انه وجد نفسه أمام معادلة معقدة بين الرغبة في توجيه ضربة قاسية لإيران وبين الخوف من حرب لا يستطيع ضمان نهايتها أو التحكم بمساراتها ونتائجها .
ما يجب ان نفهمه جيدا ان ترامب اعتاد على استخدام لغة القوة القصوى والتهديدات الكبرى ثم العودة إلى مساحة التفاوض عندما تصطدم الحسابات الواقعية بالشعارات السياسية وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها الفرق بين ترامب رجل الحملات الانتخابية وترامب رجل القرار الذي يواجه ملفات دولية معقدة لا تُدار بمنطق التصريحات الحادة والخطابات الجياشة وحدها .

بصراحة ومصداقية اكبر اننا نرى ان تسويق أزمة صواريخ الاعتراض كان اشبه بمسرحية ساخرة اعدت في الغرف المغلقة في البيت الابيض يلعب فيها وزير الحرب الامريكي بيت هيغسيت دور الضحية المستعد لتحمل المسؤولية وكافة تبعات القضية وهي في جوهرها ليست مسألة نقص ذخيرة فقط بل أزمة ثقة بين الخطاب الأمريكي عن الهيمنة العسكرية وبين حدود القوة سيما عندما تدخل في اختبار حقيقي بان الحروب الكبرى لا يحسمها من يملك أقوى سلاح فقط بل ايضا من يمتلك الامكانات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والقدرة على تحمل ثمن استخدامها.

ربما يكون الدرس الأبرز لترامب في هذه المواجهة أن إيران رغم كل الضغوط والعقوبات والضربات أثبتت أنها ليست خصماً يمكن إخضاعه بضربة واحدة وأن الولايات المتحدة رغم تفوقها الهائل الا انها اكتشفت مرة أخرى أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة سهلة وممكنة للحسم السريع وأن كل صاروخ يتم إطلاقه يفتح حسابات جديدة في المجالات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية تعيد جدولة التوقعات الى نقطة الصفر .

ضمن رؤية مغايرة قد يكون ترامب لم يخترع أزمة الصواريخ بالكامل لكنه بالقرائن والادلة استخدمها كغطاء لتبرير إعادة التموضع والتراجع التكتيكي بعد الاخفاقات والصعوبات الكبيرة التي واجهت العمليات العسكرية لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الأزمة اثبتت أن واشنطن دخلت في مواجهة مع إيران وهي تدرك أن خيار الحرب المفتوحة يحمل مخاطر أكبر بكثير من مجرد إطلاق صواريخ وضرب أهداف وأن زمن الحروب التي تنتهي بقرار أمريكي منفرد أصبح جزءاً من الماضي ورغم كل ذلك تمسك ترامب بالعناد والغطرسة مما زاد من تراكم الخلافات والتشدد و التعقيد .

القضية في المحصلة لا تقف عند صاروخ باتريوت أو مخزون ذخيرة فقط بل هي اختبار تاريخي لمفهوم القوة الأمريكية في مرحلة تشهد تغيراً عميقاً في طبيعة الصراعات الدولية وواشنطن التي اعتادت لعقود أن تخوض حروبها اعتماداً على التفوق التكنولوجي والقدرة النارية الهائلة تواجه اليوم خصماً يدرك أن أفضل وسيلة لمواجهة التفوق الأمريكي ليست مجاراته في الطائرات والقواعد العسكرية بل استنزافه حتى الموت عبر حرب طويلة متعددة الجبهات تجعل كلفة الانتصار أعلى بكثير من كلفة التراجع .

الاستخلاص المنطقي يعطي الانطباع بان قصة نقص الصواريخ سواء كانت حقيقة عسكرية أم ورقة سياسية الا انها بينت بوضوح أن الحسابات الأمريكية تجاه إيران أصبحت أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات النارية وترامب اليوم يستطيع إصدار أمر بضربة قوية الجيش الأمريكي قد يستطيع تدمير منشآت وأهداف استراتيجية داخل إيران لكن السؤال الذي يطارده داخل غرف القرار ليس هل تستطيع الولايات المتحدة بدء الحرب بل هل تستطيع إنهاءها بالشروط التي تريدها وتخدم مصالحها ومكانتها الدولية .

بالتجليل الواقعي والموضوعي نجد ان المرحلة المقبلة ستحددها ثلاثة مسارات رئيسية أولها العودة إلى سياسة الضربات المحدودة والضغط التدريجي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً وهو الخيار الذي يبدو الأكثر انسجاماً مع طبيعة ترامب السياسية القائمة على استخدام القوة كأداة تفاوض وليس كحرب مفتوحة أما المسار الثاني فهو استئناف التصعيد العسكري إذا فشلت الاتصالات السياسية الجديدة أو إذا رأت واشنطن أن طهران تستغل التهدئة لإعادة بناء قدراتها وهذا الخيار سيبقى محفوفاً بالمخاطر الكبيرة لأن أي ضربة واسعة قد تفتح أبواب مواجهة إقليمية يصعب إغلاقها أما المسار الثالث والأخطر فهو تحول الأزمة إلى حرب استنزاف طويلة تدفع الولايات المتحدة إلى إنفاق مليارات الدولارات واستنزاف مخزوناتها العسكرية وتعريض حلفائها وقواعدها في المنطقة لضربات قاسية وضغوط متزايدة .

المشترك والثابت في كل هذه السيناريوهات ان ايران ستبقى تراهن على عامل الزمن وعلى أن الولايات المتحدة رغم تفوقها العسكري ليست مستعدة لدفع ثمن حرب بلا نهاية بينما واشنطن تراهن على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجبران طهران في النهاية على تقديم تنازلات استراتيجية .

العبرة التي نخرج بها من هذه الأزمة هو أن عصر الحروب السريعة التي تبدأ و تنتهي بقرار أمريكي منفرد بدأت تتراجع وان القوة العسكرية مهما بلغت عظمتها تحتاج إلى بيئة سياسية مواتية وإلى قدرة على تحمل التكاليف وإلى قبول داخلي ودولي وهو ما يجعل أي قرار بتصعيد الحرب ضد إيران أكثر تعقيد من مجرد حساب مخازن الذخيرة وعدد الطائرات و الصواريخ .

ختاما : ان قصة نقص الصواريخ قد تكون مجرد عنوان صغير لمعركة أكبر بكثير عنوانها الحقيقي هو تراجع وهم السيطرة المطلقة وبداية مرحلة جديدة تصبح فيها إدارة الصراع أهم من حسمه عسكرياً بعدما باتت واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما إما الذهاب إلى مواجهة قد تستنزفها سياسياً وعسكرياً أو القبول بتسوية تعكس حقيقة ميزان القوى الجديد في المنطقة والأيام القادمة لن تكشف فقط حقيقة مخازن الصواريخ الأمريكية بل ستكشف أيضاً حدود القوة الأمريكية وحدود قدرة ترامب على تحويل التهديدات الكبرى إلى انتصارات سياسية جتى لو كانت واهمة .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.