الألم المهاجر// بكر عبد الحافظ الخليفات

تتحرك الأجساد والأنظمة البشريّة وفق قوانين مدهشة في ترابطها، حيث يمكن لخلل بسيط في الأعلى أن يقلب الموازين في الأسفل تماماً، وهو ما يُعرف طبيّاً واجتماعيّاً بـ “الألم المهاجر” حيث تشكو الأطراف من علّة منبعها أعلى الجسد أو المركز. فحينما وعلى سبيل المثال يصاب الإنسان بإنزلاق غضروفي في فقرات العمود الفقري العليا أو الرقبة، يمر بتجربة حسية غريبة ومضللة، إذ لا يشعر المريض بألم حاد في الرقبة ذاتها، بل يهاجر الألم وينحدر إلى الأسفل نحو العضد والساعد، ليستقر العطب على شكل تنميل وخدران مستمر في أحد أصابع اليد. وتؤدي هذه الآلام المهاجرة مع طول الوقت وغياب الأستشفاء إلى ضعف وربما شلل واضح في الحركة. وهنا لزاما فإن هذا الوهن سيحد من نشاط المبتلى وسعيه اليومي، وتنخدع الحواس تصديقاً لما ينقله عصب تلك الأعضاء الطرفية إلى اللب أو الدماغ، والذي يصدق بدوره أن العطب مستقر في تلك الأطراف البعيدة. لكن حقيقة الأمر ومصدر الداء يقبع هناك في الأعلى، بينما تستمر الرقبة في الدوران وتنقل الرأس بكل سهولة ويسر، كأنها خالية من كل علة وصالحة تماماً….
إن هذا الحال الفيزيولوجي يا سادة لا يغادر بحال من الأحوال واقع المجتمعات الإنسانية وعلل “العالين” من البشر على مر العصور وكر الدهور ؛ فحينما يدب الفساد أو العطب الإداري والأخلاقي في علية القوم وصناع القرار ويستفحل أمره ، فإن أثر هذا العطب يهاجر نزولاً ليقع بكل ثقله على أهل الدنو من البشر من العامة والطبقة الكادحة. هذا الخلل يترجم مباشرة في الأسفل على شكل فقر، وغلاء، وبطالة، وضغوط معيشية تعطل حركة البسطاء وتقيد سعيهم على الأرض، بينما يظل العلية في برجهم العاجي يتحركون بكل سهولة ويسر، ويتمتعون بامتيازاتهم دون أن تصلهم أبداً آلام وأوجاع الطبقة الكادحة الفقيرة التي تدفع ضريبة داء لم تتسبب فيه البتة.
إن “الألم المهاجر” ما هو إلا صرخة تحذير للجسد وللمجتمع على حد سواء، صرخة تُثبت أن سلامة الأطراف واستمرار إنتاجيتها رهين بصلاح الأعلى وسلامة المركز. وعاجلا أم آجلا ومهما طال الزمان وتجبر الطغيان فلا بد لليل أن ينجلي ببزوغ الفجر .. ذلك أنه حينما يستشري الفساد وتتجمد احاسيس الأحياء على هذا النحو وتهم الحياة بالسير إلى الأمام في طريق الكمال المرسوم ؛ وتجد تلك المتحجرات عقبة وعثرة في الطريق … هنا إما أن تتخطى الحياة هذه المتحجرات وتتركها مركونة في مكانها؛ وإما أن تحطمها وتزهقها… والأمر الثاني هو ما سيحدث؛ ذلك أن للحق قوة؛ و للباطل ضعف مكرور ؛ فمها طال الباطل وتجبر فسيبقى ضعيف زهوقا كلما وقعت عليه يد الحق في كل مرة …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة