هل تغيير اســـم المكان يغيّر تاريخــه

الباحث محمود حسين الشريدة
كثيرًا ما يوجه إليّ بعض الأصدقاء والمتابعين ملاحظة محببة إلى النفس، مفادها: لماذا أذكر في بعض منشوراتي ومقابلاتي اسم «خربة الوهادنة»، ولا أكتفي باسمها الحالي «الوهادنة»؟
وأقول لهم بكل محبة: إنني لا أتمسك بالاسم القديم رفضًا للاسم الحالي، ولا انتقاصًا من مكانة الوهادنة اليوم، وإنما أتمسك به وفاءً لتاريخ المكان وذاكرته.
فـ«خربة الوهادنة» ليست مجرد اسم كان يُطلق على البلدة قبل تغيير تسميتها في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وإنما هي هوية تاريخية ارتبطت بالمكان عبر قرون، وحملت في طياتها صفحات مهمة من تاريخ جبل عجلون.

فمن «خربة الوهادنة» ارتبطت زعامة جبل عجلون في القرن السابع عشر، ومنها خرجت زعامة عشيرة الفريحات التي استمرت لأكثر من قرنين، وكانت «خربة الوهادنة» من المناطق ذات الثقل الاقتصادي والزراعي في قضاء عجلون، حتى كانت من أكثر المناطق دفعًا للضرائب للدولة العثمانية، لاتساع رقعة أراضيها الزراعية، وكان يتبع لها عدد من القرى والمواقع الزراعية.
كما أن مدرسة خربة الوهادنة الابتدائية الأميرية كانت من أقدم المدارس في قضاء عجلون، ضمن المدارس الست الأولى التي عرفها القضاء، وهو ما يعكس مكانة المنطقة ودورها في تاريخ التعليم في المنطقة.
ولهذا فإن اختفاء اسم «خربة الوهادنة» من الذاكرة العامة والكتابات والمنشورات، مع مرور الزمن، قد يؤدي إلى انقطاع الصلة بين الأجيال الجديدة وبين الوثائق والسجلات والروايات التاريخية التي حملت هذا الاسم.
فالوثيقة تقول: خربة الوهادنة، والسجل العثماني يقول: خربة الوهادنة، والكتب والروايات التاريخية تقول: خربة الوهادنة، والآباء والأجداد عاشوا في «خربة الوهادنة».
فإذا قلنا للأجيال القادمة إن اسمها هو «الوهادنة» فقط، دون أن نعرّفهم بأن هذه البلدة كانت تُعرف تاريخيًا باسم «خربة الوهادنة»، فكيف سيبحثون في وثائق أجدادهم؟ وكيف سيربطون بين المكان الذي يعيشون فيه اليوم وبين التاريخ الذي كتب قبل مئات السنين؟
إن المشكلة ليست في تغيير الاسم، وإنما في أن يتحول تغيير الاسم إلى نسيان للاسم القديم وما يحمله من تاريخ.
فالأسماء الجغرافية ليست حروفًا تُكتب على الخرائط فقط؛ إنها أوعية للذاكرة، تحمل تاريخ الإنسان والأرض والعمران والاقتصاد والسياسة والعادات والتحولات الاجتماعية.
ومن هنا، فإنني أرى أن من حق «الوهادنة» اليوم أن تعتز باسمها الحالي، ومن واجبها في الوقت نفسه أن تحفظ اسم «خربة الوهادنة» بوصفه جزءًا أصيلًا من تاريخها.
بل إنني أتمنى أن نستخدم الاسمين في السياق التاريخي بصورة تحفظ هذه الصلة، فنقول مثلًا:
«الوهادنة – خربة الوهادنة سابقاً»
حتى يعرف أبناؤنا أن البلدة التي يعيشون فيها اليوم ليست منفصلة عن المكان الذي عرفه أجدادهم، وأن حاضرها امتداد لماضٍ عريق، وليس بداية لتاريخ جديد.
إن المحافظة على الاسم التاريخي ليست تمسكًا بالماضي على حساب الحاضر، بل هي حماية لجسر يصل الحاضر بالماضي والمستقبل.
ولذلك سأظل أذكر «خربة الوهادنة» عندما أتحدث عن تاريخها، وسأذكر «الوهادنة» عندما أتحدث عن حاضرها؛ لأنني أؤمن أن المكان واحد، ولكن لكل زمن اسمه، ولكل اسم ذاكرته.
والأمم والمجتمعات التي تحفظ أسماء أمكنتها القديمة، إنما تحفظ جزءًا من ذاكرتها وهويتها، لأن من يفقد أسماء أمكنته القديمة قد يفقد، مع مرور الزمن، مفاتيح الوصول إلى جزء من تاريخه.
خربة الوهادنة ليست اسمًا نريد العودة إليه، وإنما تاريخ نريد ألا ننساه.

