التوجيهي… حين يتحول النجاح إلى أزمة مجتمعية..// د.باسم القضاة

 

المبالغة والتضخيم في ردود الفعل أصبحت سمة غير محببة تتكرر في مجتمعنا، وعلى مختلف المستويات والطاقات، دون أن ننتبه أحيانًا إلى حجم الأثر الذي نتركه على حياة الآخرين وراحتهم وحقهم في الهدوء والأمان.
ولعل موسم نتائج الثانوية العامة «التوجيهي» أحد أوضح الأمثلة على ذلك.
لقد تحولت هذه المرحلة، التي يفترض أن تكون محطة تعليمية مهمة في حياة الطالب، إلى حدث اجتماعي ضخم يتجاوز حجمه الطبيعي، حتى أصبح المجتمع بأكمله، وبمؤسساته وأجهزته، مرتبطًا بتفاصيله وكأنه أمام أزمة وطنية تستدعي كل هذا التوتر والاستنفار.
ومع تأخر إعلان النتائج، تبدأ التكهنات والإشاعات بالانتشار عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وتتعدد الروايات حول أسباب التأخير ومصداقية النتائج، ويصبح المواطن في حالة انتظار وقلق واستنزاف نفسي. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل كان من الممكن إدارة هذه المرحلة بهدوء وشفافية أكبر، بما يمنع الإشاعة ويخفف التوتر؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا المناخ؟
وفي المقابل، تتحمل الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها الأمن العام، أعباء إضافية واستعدادات ومصروفات لإدارة حالة يفترض أن تكون احتفالية ومبهجة، لا أن تتحول إلى مصدر قلق واستنزاف للموارد.
ثم تأتي لحظة إعلان النتائج، لتبدأ مظاهر أخرى أكثر إزعاجًا: إطلاق الزوامير بشكل متواصل، الصراخ، المسيرات العشوائية، السرعة والتهور في قيادة المركبات، والتفحيط في بعض الأحياء والشوارع، حتى تصل مظاهر الفرح أحيانًا إلى حدود تهدد سلامة الناس وتزعج المرضى وكبار السن والأطفال، وتمنع الآخرين من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
فهل أصبح الفرح عندنا بحاجة إلى أن يكون صاخبًا حتى نشعر أنه فرح؟
وهل النجاح لا يكتمل إلا إذا سمع به الجميع، حتى أولئك الذين لا علاقة لهم به؟
الأهم من ذلك كله أن نسأل أنفسنا سؤالًا أعمق:
هل هذه المبالغة في ردود الفعل مجرد احتفال عابر، أم أنها انعكاس لتراكمات من الضغوط والكبت والتوتر والإحباط التي يعيشها المواطن، فتجد لها متنفسًا في مناسبة جماعية كهذه؟
ربما يكون الأمر خليطًا من كل ذلك؛ ضغط نفسي متراكم، وثقافة اجتماعية اعتادت المبالغة، وتأثير كبير لمواقع التواصل الاجتماعي، وضعف في إدراك أثر السلوك الفردي على الآخرين، إضافة إلى غياب واضح أحيانًا لفكرة أن حريتي في التعبير عن فرحتي تنتهي عندما تبدأ بإزعاج الآخرين أو تعريض حياتهم للخطر.
التوجيهي مهم، ونجاح أبنائنا مناسبة تستحق الفرح والفخر، لكن من المهم أن نعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.
نفرح، نعم.
نحتفل، نعم.
نبارك لأبنائنا، نعم.
لكن دون تهور، ودون إزعاج، ودون تعريض الأرواح للخطر، ودون تحويل الشوارع والأحياء إلى ساحات للفوضى.
فالوعي الحقيقي لا يظهر فقط في تحقيق الطالب للنجاح، بل يظهر أيضًا في سلوكه وسلوك أسرته ومجتمعه بعد إعلان النتيجة.
ولعل المسؤولية هنا ليست مسؤولية وزارة أو جهاز أمني أو جهة واحدة فقط؛ إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الرسمية، ووسائل الإعلام، وتنتهي عند المواطن نفسه.
علينا أن نتجاوز هذه الظاهرة عامًا بعد عام، وأن نتوقف عن التعامل مع نتائج التوجيهي وكأنها حالة طوارئ وطنية.
فالنجاح الحقيقي ليس أن نفرح فقط، وإنما أن نعرف كيف نفرح دون أن ندفع الآخرين ثمن فرحتنا.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا:
من المسؤول عن كل هذا التوتر؟ وهل ما نراه في موسم التوجيهي مجرد احتفال بالنجاح، أم أنه مرآة لما يختبئ في داخل المجتمع من ضغوط وتوترات لم تجد طريقًا آخر للتعبير عنها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة