في الطريق إلى مستشفى الإيمان الحكومي، كانت اللحظات الأصعب والأكثر حزناً في حياتي.

منذر محمد الزغول
–
لم يكن ذلك اليوم – وتحديداً قبل عامٍ من الآن – يوماً كأي يومٍ آخر في حياتي، ولم أكن أتوقع أن أفقد في ذلك اليوم أخي وسندي وعزوتي ورفيق دربي وجاري الحبيب منير (أبو علي).
كان الوقت يشير إلى أننا قبل الغروب بساعةٍ على الأقل، وإذا بالطارق يطرق باب بيتي بكل خوفٍ وفزعٍ وبكاءٍ شديد. كانت ابنة أخي – رحمه الله – تصرخ وتنادي بكل حزنٍ وأسىً أن ألحق بأبيها، لأنه بدأ يعاني من صداعٍ وألمٍ شديدين في الرأس، ويصرخ بأعلى صوته من شدة الألم. وعلى الفور ذهبت مهرولاً إلى منزل أخي لأرى ما يحدث، فنظرت إليه وإذا به – والله – وكأنه يودعني الوداع الأخير، وعيناه ممتلئتان بالدموع وهو يوصيني بأهله وعياله.
حاولت حينها أن أتمالك نفسي ولا أعير كلماته أي انتباه؛ لأخفف عنه وعن أهله، لكني والله بدأت أشعر أنه يودعني الوداع الأخير، حيث كانت هذه اللحظات عليّ أصعب من الجبال. لكنني كنت أنظر إليه بحزنٍ شديد، وأشجعه كي نذهب بأسرع وقتٍ ممكن لزيارة مستشفى الإيمان الحكومي، وبالفعل استجاب لي، وما هي إلا لحظات حتى غادرنا منزله برفقة زوجته وابنه أسامة. لكني بدأت ألاحظ عليه أنه كان ينظر ويتأمل في جميع زوايا وجدران منزله وبأهله وعياله، وكأنه والله كان يعرف أنه لن يعود إليه مرة أخرى ، وبالفعل علمتُ فيما بعد – وأنا أنزل إلى سيارتي لتجهيزها والذهاب إلى المستشفى – أنه أخبر زوجته وعياله بوصيته.
انطلقنا مسرعين إلى مستشفى الإيمان بسرعةٍ جنونية، وكنت طوال الوقت أحاول أن أطمئنه بأن أموره أقل من عادية، وأن ما يجري له ارتفاعٌ بسيطٌ في الضغط، وأنها ساعاتٌ فقط وسنعود سوياً إلى منزله وإلى حارته التي عشِقها عشقاً لم أره عند أي أحدٍ في حياتي.
أعتقد جازماً أنه كان واثقاً كل الثقة أن كل كلماتي كانت فقط لتطمينه، ولكنه والله كان الصابر المحتسب، فلم يكن يقول طوال الطريق وهو يستفرغ بكل قوةٍ إلا: “الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. والأهم أيضاً أنه ورغم مرضه الشديد، كان طوال الطريق يوصي ابنه أسامة وجميع إخوانه وأخواته بالحفاظ على الصلاة.
بعد كل هذه الدقائق الأصعب في حياتي وصلنا إلى مستشفى الإيمان، وكانت حالته كلما مر الوقت تسوء أكثر فأكثر، حتى وصل إلى مرحلة الغياب التام عن الوعي، وهنا أيقنّا جميعاً أن الله عز وجل قد اصطفاه، وأنه سيكون في أي وقتٍ في ضيافة أرحم الراحمين بعباده وخلقه.
لم تمضِ سوى أيامٍ قليلة حتى رحل أغلى وأعز الناس إلى قلبي ، رجلٌ إذا ذُكر – ذُكرت معه الطيبة والشهامة والكرم والرجولة والنخوة، كان طوال حياته السند والفزعة لنا جميعا ولكل من عرفه ، رحل صاحب أنقى وأطيب قلب عن هذه الدنيا، ووالله ليس لأنه أخي وحبيبي وجاري فحسب، بل شهد له بذلك كل من عرفه وكل من تعامل معه عن قرب، كما أن جنازته وبيت عزائه يشهدان له بكل هذه الخصال الحميدة، وأنه كان الرجل المقدام الشجاع الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، وأنه الأطيب والأنقى والرجل المتسامح الكريم.
رحمك الله أخي الحبيب منير، ويكفيك أن آخر أعمالك أنك أديت صلوات الفجر والظهر والعصر جماعة، وكان آخر عملك أيضاً حضور جنازة والمشاركة في تشييع الجثمان رغم حرارة الطقس الشديدة في ذلك الوقت.
اعلم أخي الحبيب أن سيرتك الطيبة وابتسامتك التي لم تكن تفارق محياك لن تغيب عنا ما دام فينا عرقٌ ينبض.
نم قرير العين أخي الحبيب إلى جانب أغلى وأطيب الناس، أخي الغالي وقدوتي وسندي منيب (أبو زيد)، وبجوار والدي ووالدتي رحمهما الله، وأقرئهم منا كل يومٍ السلام والتحية. ووالله يا أخي الحبيب ، منذ أن رحلتم عنا ما عرفنا للحياة طعماً، ولا اشتقنا لأي أمرٍ فيها. واعلم أخي الحبيب أننا سنبقى ندعو لكم في جوف الليل وعقب دبر كل صلاة، وكيف ننساكم وأنتم ما كنتم طوال حياتكم إلا السند والفزعة والقلب الرحيم لنا جميعا.
أسأل الله العلي القدير أخي الحبيب منير أن يسكنك أنت وأخي الغالي منيب ووالدي ووالدتي وجميع أمواتنا الفردوس الأعلى من جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ولا نقول إلا كما قال رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه: «إن العين تدمع، والقلب يحزن وإنا والله على فراقكم لمحزونون).


إلى رحمة الله الاخ والصديق الجار الكريم الشجاع ابو علي قامة رجولية يعتز برفقتها