عجلون التي تخرّج أبناءها خارجها // محمد علي فالح الصمادي

=

تأسست كلية عجلون الجامعية عام 1964، بعد عامين فقط من تأسيس الجامعة الأردنية، وكأن عجلون كانت منذ البداية تريد أن تقول إن التعليم ليس امتيازًا للعاصمة، وإن المعرفة تستطيع أن تنبت في الجبل كما تنبت شجرة الزيتون في صخرةٍ لا تبدو صالحةً للحياة.

لكن السؤال الذي يوجعني اليوم ليس:
متى تأسست الكلية؟

بل:

ماذا صنعت كل هذه السنوات؟

فالتاريخ وحده لا يكفي.

قد يكون للمؤسسة عمرٌ طويل،
لكن العمر ليس إنجازًا إذا لم يتحول إلى أثر.

وقد يكون للمبنى اسمٌ عريق،
لكن العراقة التي لا تنتج معرفةً تصبح مجرد صورةٍ معلقة على جدار.

عجلون ليست مدينةً عابرة في الذاكرة الأردنية.

هذه مدينةٌ صنعتها الطبيعة قبل أن تصنعها الخرائط؛
جبالها، غاباتها، قلعتها، زيتونها، قراها، وذاكرتها التي تمشي بين الأشجار.

لكنني كلما نظرت إلى التعليم فيها شعرت بمفارقةٍ مؤلمة:

مدينةٌ عريقة،
ومؤسسةٌ تعليميةٌ عريقة،
لكن المخرجات لا تزال أقل من حجم الحكاية.

بل إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يصل الأمر إلى حفل التخريج.

حتى الاحتفال بتخريج أبنائها قد يُنقل خارج المحافظة.

كأن الطالب لا يكفي أن يغادر عجلون بعد أن يتخرج؛
حتى فرحته ينبغي أن تغادر معه.

وهنا يصبح السؤال أكبر من حفل.

أين يحدث الفرح؟

وأين تُصنع الذاكرة؟

ولماذا لا تستطيع المحافظة أن تحتفل بأبنائها في المكان الذي احتضن سنوات تعليمهم؟

ربما المشكلة ليست في الكلية وحدها.

وربما ليس من العدل أن نضع كل الأسئلة على كتفي مؤسسةٍ واحدة.

لكن من حقنا أن نسأل عن النموذج الإداري الذي يحكم الكليات المنتشرة في المملكة.

هل ما زال من المنطقي أن تبقى هذه الكليات في صورةٍ إدارية واحدة، رغم اختلاف جغرافياتها واحتياجاتها وخصوصيات مجتمعاتها المحلية؟

هل تحتاج عجلون إلى نموذج إداري أكثر استقلالًا ومرونة؟

هل تستطيع الكلية أن تتحول من مؤسسةٍ تستقبل الطلبة إلى مركزٍ ينتج المعرفة ويخدم التنمية المحلية؟

هذه ليست دعوةً إلى إلغاء دور جامعة البلقاء التطبيقية، بقدر ما هي دعوة إلى إعادة التفكير في طريقة الإشراف والإدارة.

فالمؤسسات لا تتطور لأننا نحافظ على هياكلها القديمة.

تتطور حين نملك شجاعة السؤال:

هل ما كان مناسبًا بالأمس ما زال مناسبًا للغد؟

أنا لا أريد لكلية عجلون الجامعية أن تكون نسخةً مصغرة من مؤسسةٍ أخرى.

أريدها أن تكون عجلون.

أن تدخل الجغرافيا إلى المناهج.

أن تدخل الغابة إلى المختبر.

أن تدخل الزيتونة إلى البحث العلمي.

أن تدخل السياحة إلى الاقتصاد.

أن تدخل القلعة إلى دراسة التاريخ.

أن تدخل الزراعة إلى التكنولوجيا.

وأن يتحول الجبل من خلفيةٍ جميلة للصورة إلى مختبرٍ للتنمية والمعرفة.

هنا فقط تصبح الجامعة ابنة المكان، لا مجرد مبنى أقيم فوقه.

وأنا المصور، أعرف أن المكان لا يكشف نفسه من اللقطة الأولى.

تحتاج إلى أن تنتظر.

أن تغيّر زاوية النظر.

أن تقترب.

أن تبتعد.

أن تسمح للضوء أن يقول ما لم تره العين.

وربما تحتاج المؤسسات التعليمية إلى الشيء نفسه.

لسنا بحاجة دائمًا إلى هدم ما هو قائم.

ربما نحتاج فقط إلى تغيير زاوية النظر.

أن نرى الكلية لا بوصفها «كلية جامعية» فحسب،
بل بوصفها عدسةً ترى عجلون ومستقبلها.

وهنا يبدأ صراع الكتابة عندي.

أريد أن أكتب مقالًا، فتدخل القصيدة.

أريد أن أكتب عن الإدارة، فتظهر الحكاية.

أريد أن أتكلم عن التعليم، فتجلس أمامي أمٌّ تنتظر ابنها يوم التخرج.

أريد أن أتكلم عن التنمية، فأرى شابًا عجلونيًا يحمل شهادته ويغادر المحافظة بحثًا عن فرصة.

ثم تأتي الصورة.

شابٌ يرتدي عباءة التخرج.

في يده شهادة.

وخلفه جبل عجلون.

لكن الطريق أمامه ينزل إلى خارج المحافظة.

يا لها من صورةٍ تختصر مقالًا كاملًا!

نخرّج أبناء الجبل، ثم نعلّمهم كيف يغادرونه.

لا أريد جامعةً تمنح الشهادة فقط.

أريد مؤسسةً تمنح الطالب سببًا للبقاء.

أن يتخرج الشاب فيجد في عجلون مختبرًا، وشركةً، ومشروعًا، ومزرعةً ذكية، ومركزًا للبحث، وفرصةً لريادة الأعمال.

أن تكون الشهادة بداية العلاقة مع المكان، لا نهايتها.

وأن يصبح الخريج جزءًا من اقتصاد المحافظة وثقافتها ومستقبلها.

عندها فقط نستطيع أن نقول إن التعليم أنتج مخرجات.

فالمخرجات ليست عدد الشهادات.

المخرجات هي:

ماذا فعل الخريج بعد الشهادة؟

ولعل الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة إدارة الكليات الجامعية في المملكة.

لا مركزيةً عمياء.

ولا استقلالًا شكليًا.

بل نموذجًا جديدًا يمنح كل كلية مساحةً من القرار تتناسب مع حاجات بيئتها، مع بقاء المعايير الأكاديمية الوطنية والرقابة والجودة.

نحتاج إلى إدارةٍ تعرف أن عجلون ليست العقبة، وأن العقبة ليست إربد، وأن حاجات الطفيلة ليست حاجات السلط.

الجغرافيا ليست تفصيلًا إداريًا.

الجغرافيا تصنع الإنسان،
والإنسان يصنع احتياجات التعليم.

أما حفل التخرج…

فأريده في عجلون.

ليس لأن المكان أجمل.

بل لأن الفكرة أعمق.

أريد للأم أن تمشي من بيتها إلى مكان الاحتفال وهي تعرف أن ابنها تخرج هنا.

أريد للأب أن يرى الشهادة في مدينته.

أريد للأطفال أن يقفوا قرب منصة التخرج ويقولوا:

غدًا سنكون هنا.

أريد للمدينة أن ترى أبناءها لا وهم يغادرونها،
بل وهم يحتفلون فيها.

فالمدينة التي لا تستطيع أن تحتفل بخريجيها
تحتاج إلى أن تسأل نفسها عن معنى التنمية.

عجلون لا تحتاج إلى مجاملة.

تحتاج إلى مشروع.

ولا تحتاج إلى أن نقول إنها عريقة.

فالعراقة ليست شهادةً نعلقها على الجدار.

العراقة مسؤولية.

وكلما كان تاريخ المكان أطول،
كان السؤال عن مستقبله أكثر إلحاحًا.

لهذا أكتب:

كلية عجلون الجامعية لا ينبغي أن تبقى مجرد مؤسسةٍ تحمل اسم عجلون؛
ينبغي أن تصبح مؤسسةً تصنع مستقبل عجلون.

وحين يحدث ذلك،
لن يكون التخرج مجرد احتفال.

سيكون إعلانًا بأن الطالب الذي دخل بوابة الكلية قبل سنوات
لم يخرج منها وحده.

خرج معه المكان.

خرجت معه عجلون.

خرجت معه شجرة الزيتون،
والقلعة،
والجبل،
وذاكرة الآباء،
وحلم الأمهات.

وعندها فقط…

لن يكون السؤال:

أين أقيم حفل التخرج؟

بل:

أين تبدأ عجلون من جديد؟
الف مبارك تخرج ابنتك
راجيا نشر المقال على موقعكم العامر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة