الروابدة: السردية الأردنية قراءة لمسيرة دولة ذات تاريخ متصل وليست رواية للماضي

أكد رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة أن السردية الأردنية تشكل إطارا وطنيا جامعا لفهم مسيرة الدولة وتطورها، مشددا على أن بناءها يجب أن يستند إلى الحقائق والوثائق والشهادات الموثقة، وأن تقرأ الأحداث في سياقاتها السياسية والاجتماعية والإقليمية، بعيدا عن المبالغة والانتقائية.
جاء ذلك خلال ندوة حوارية عقدت في جمعية الأزهار التعاونية في مادبا، ضمن سلسلة “السردية الأردنية”، بتنظيم من مؤسسة إعمار مادبا، حيث استعرض الروابدة محطات من تاريخ الأردن، متناولا مراحل سياسية ووطنية أسهمت في تشكيل الدولة وتطور مؤسساتها، وما رافق مسيرتها من تحديات وتحولات.
وقال الروابدة إن السردية الوطنية لا تبنى على الانطباعات أو المبالغات، وإنما على الوقائع والإنجازات، مؤكدا أن قراءة التاريخ لا تقتصر على سرد الأحداث، وإنما تتطلب فهم الظروف التي أحاطت بها والقرارات التي اتخذت خلالها، حتى تكون هذه القراءة قادرة على تفسير الحاضر واستشراف المستقبل.
وأضاف أن الأجيال الجديدة لا تحتاج فقط إلى معرفة “ماذا حدث”، وإنما إلى فهم “لماذا حدث”، وكيف تعاملت الدولة مع كل مرحلة، وما الظروف السياسية والاجتماعية والإقليمية التي أثرت في صناعة القرار، مشيرا إلى أن التاريخ يفقد قيمته عندما يتحول إلى معلومات محفوظة منفصلة عن سياقاتها.
وأشار إلى أن الأردن واجه منذ تأسيس الدولة تحديات سياسية واقتصادية وإقليمية متعاقبة، إلا أنه استطاع المحافظة على تماسكه الداخلي واستمرارية مؤسساته، مبينا أن ذلك جاء نتيجة تراكم الخبرة السياسية والإدارية والوعي الوطني، والقدرة على التعامل مع المتغيرات دون التخلي عن الثوابت.
وأوضح أن الدولة الأردنية نشأت في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وأن قدرتها على الاستمرار والتكيف مع التحولات ارتبطت بمنظومة من التوازن والاعتدال والحوار، مؤكدا أن السردية الأردنية ليست مجرد رواية للماضي، وإنما قراءة لمسار دولة تشكلت مؤسساتها تدريجيا وتراكمت فيها الخبرات عبر أجيال متعاقبة.
وأشار الروابدة إلى ضرورة قراءة نشأة الأردن وتطور الدولة في سياقها التاريخي والإقليمي، لافتا إلى أن المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى دخلت مرحلة من التحولات السياسية الكبرى، خضعت خلالها أقاليم عربية للانتداب والنفوذ الأجنبي، ومن بينها فلسطين التي خضعت للانتداب البريطاني، فيما تشكلت في مناطق أخرى من المشرق ترتيبات سياسية مختلفة.
وتوقف الروابدة عند مشروع الأمير عبدالله بن الحسين في بدايات تأسيس الإمارة، مشيرا إلى أن تحركه إلى شرق الأردن لم يكن منفصلا عن مشروع عربي أوسع كان يقوم على إقامة دولة عربية في بلاد الشام، وأن تشكيل حكومة الشرق العربي في عام 1921 عكس هذا التوجه السياسي في تلك المرحلة، قبل أن تتطور الأحداث والظروف الإقليمية والدولية إلى قيام إمارة شرق الأردن وترسيخ مؤسساتها.
وتطرق إلى الدور البريطاني في تلك المرحلة، مستحضرا شخصية وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، ومحادثاته مع الأمير عبدالله في القدس عام 1921، وما ارتبط بها من ترتيبات سياسية لمستقبل شرق الأردن، موضحا أن فهم تلك المرحلة يتطلب قراءة الظروف الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والسياسات البريطانية تجاه المشرق العربي، وما رافقها من ترتيبات أسهمت في رسم ملامح المنطقة ودولها الحديثة.
وقال إن الأمير عبدالله عمل على بناء مقومات الدولة من خلال تشكيل الحكومة وتنظيم الإدارة وتوحيد المناطق، إلى جانب بناء قوة عسكرية أصبحت لاحقا نواة الجيش العربي، مؤكدا أن هذه الخطوات شكلت اللبنات الأولى لبناء دولة ذات مؤسسات ومسيرة متصلة.
وتوقف عند تشكيل الحكومات الأولى، موضحا أن أول حكومة في شرق الأردن تشكلت في نيسان 1921 برئاسة رشيد طليع وحملت اسم “حكومة الشرق العربي”، ثم توالت الحكومات في مرحلة كانت فيها عملية بناء الإدارة المركزية وترسيخ سلطة الدولة تتقدم بصورة تدريجية.
وأكد أن بناء الدولة لم يكن قرارا إداريا فقط، وإنما مسارا متكاملا شمل تنظيم الإدارة وتوحيد المناطق وبناء المؤسسات والقوة العسكرية، وصولا إلى ترسيخ دعائم الإمارة وتطورها في المراحل اللاحقة إلى الدولة الأردنية الحديثة.
وأشار إلى أن عروبة الدولة لم تكن شعارا طارئا أضيف إلى مسيرتها، وإنما كانت حاضرة في لحظة التأسيس، وظهرت في أسماء مؤسساتها الأولى وفي طبيعة المشروع السياسي الذي رافق نشأتها، قبل أن تتطور الإمارة عبر مراحل تاريخية متعاقبة إلى الدولة الأردنية الحديثة.
وقال الروابدة إن الأردن ليس فصلا عابرا في تاريخ المنطقة، وإنما دولة ذات مسيرة متصلة وتاريخ متراكم، قامت على مؤسسات وتجارب وطنية متعاقبة، وأن كتابة تاريخها وتوثيق مراحل تطورها مسؤولية وطنية، حتى تبقى هذه المسيرة حاضرة في وعي الأجيال، بعيدا عن الروايات المجتزأة أو القراءات التي تتجاهل سياق الدولة وتطورها.
وتساءل الروابدة عن أسباب عدم كتابة تاريخ الأردن بصورة شاملة وموثقة، مشيرا إلى أن كثيرا من الأحداث والشهادات ما تزال حاضرة في ذاكرة من عاصروها، لكنها لم تتحول بعد إلى مادة تاريخية موثقة ومتاحة للأجيال.
وأكد أن كتابة تاريخ الأردن ليست ترفا فكريا، وإنما مسؤولية وطنية، لأن الدولة التي لا توثق تاريخها تترك مساحات مفتوحة للروايات المتباينة والتأويلات، فيما يشكل التاريخ الموثق أساسا لفهم الدولة ومسيرتها وبناء وعي الأجيال المقبلة.
وشدد على أهمية توثيق شهادات رجال الدولة والسياسة، باعتبارها جزءا أصيلا من الذاكرة الوطنية، موضحا أن كثيرا من تفاصيل العمل العام وصناعة القرار لا تظهر كاملة في الوثائق الرسمية، وإنما تبقى في ذاكرة من عاصروا تلك المراحل وكانوا قريبين من أحداثها.
وأكد أن هذه الشهادات ينبغي ألا تتحول إلى روايات منفردة، وإنما يجب قراءتها ومقارنتها بالوثائق والدراسات، حتى تتحول الذاكرة الشخصية إلى مادة معرفية موثوقة يستفيد منها الباحثون والأجيال المقبلة.
وقال إن السردية الأردنية يجب ألا تكون رواية مغلقة أو نهائية، وإنما مساحة مفتوحة للبحث والنقاش والاستماع إلى مختلف الشهادات والتجارب، لأن التجربة الوطنية أكبر من أن تختصر في شخصية أو مرحلة أو رواية واحدة.
ولفت إلى أن الجامعات والمؤسسات الثقافية والفكرية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في بناء السردية الوطنية، من خلال إنتاج المعرفة وإجراء الدراسات وتوثيق الشهادات، وتقديم التاريخ للأجيال الجديدة بلغة معاصرة تساعدها على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين التاريخ الموثق والروايات التي لا تستند إلى مصادر.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا أساسيا من البيئة الإعلامية التي تتلقى من خلالها الأجيال الجديدة المعلومات، ما يفرض التعامل معها بوعي ومسؤولية، وعدم ترك المجال للروايات غير الموثقة أو المعلومات المضللة لتشكيل صورة الأجيال عن تاريخ وطنها.
وأكد أن الحفاظ على الثوابت الوطنية لا يعني الجمود في اللغة والأدوات، وإنما يتطلب تجديد الخطاب بما يتناسب مع العصر، والاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب، وتقديم الرواية الوطنية بصورة واضحة وموثوقة وقادرة على الإقناع والتأثير.
ورحب رئيس مجلس مؤسسة إعمار مادبا العين محمد خريبات الازايدة بالحضور، مؤكدا أن تنظيم هذه الندوة يأتي انطلاقا من أهمية استحضار الذاكرة الوطنية وفتح حوار جاد حول مسيرة الدولة الأردنية، والاستماع إلى شهادات الشخصيات التي عاصرت مراحل مفصلية من تاريخها، بما يسهم في تقديم قراءة أكثر عمقا وموضوعية للتجربة الوطنية.
وأضاف الازايدة أن استضافة الشخصيات التي عاصرت مراحل مهمة من تاريخ الأردن تفتح نافذة على تفاصيل تلك المراحل، وتتيح للأجيال الاستماع إلى شهادات وتجارب عايشت العمل العام وصناعة القرار، مؤكدا أن توثيق هذه الشهادات وربطها بالوثائق والدراسات يمثل خطوة أساسية في بناء سردية وطنية متماسكة.
وأشار إلى أن مؤسسة إعمار مادبا تسعى من خلال هذه اللقاءات إلى جعل مادبا مساحة للحوار الوطني والفكري، مستندة إلى ما تمتلكه المحافظة من تاريخ وحضور ثقافي واجتماعي، بما يؤهلها لاحتضان نقاشات تتصل بتاريخ الأردن وهويته ومسيرته الوطنية.
وأكد أن السردية الأردنية ليست شأنا خاصا بالنخب السياسية، وإنما هي ذاكرة مجتمع كامل شارك أبناؤه في بناء الدولة ومؤسساتها، وأن الحفاظ عليها يتطلب الاستماع إلى مختلف الأصوات والتجارب، وعدم اختزال التاريخ في رواية واحدة.
ولفت الازايدة إلى أن اختيار الروابدة لهذه الجلسة يأتي لما تمثله تجربته السياسية من امتداد زمني واسع، وما عايشه من مراحل وتحولات في الحياة العامة، مشيرا إلى أن شهادته تشكل إضافة مهمة إلى النقاش الوطني حول مسيرة الدولة وتطور مؤسساتها.
وشهدت الجلسة نقاشا تفاعليا بين الحضور والروابدة، تناول محطات من تاريخ الأردن وتطور الحياة السياسية، وسبل تعزيز الخطاب الوطني، وأهمية تقديم السردية الأردنية للأجيال الجديدة بأسلوب معاصر، إلى جانب التحديات التي تواجه الرواية الوطنية في ظل تعدد مصادر المعلومات وتغير البيئة الإعلامية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن الدولة ليست مجرد مؤسسات قائمة، وإنما حصيلة تراكم تاريخي من الإرادة والعمل والوعي والقرار، وأن الاستقلال ليس مجرد محطة في التقويم، والاستقرار ليس نتيجة تلقائية، بل ثمرة لمسيرة طويلة من البناء والتضحيات والخبرة الوطنية.

