حفريات تنتهك حرمة الموتى.. عبث الباحثين عن دفائن يطال مقبرة “تل سال” في إربد

إربد- أثارت أعمال نبش وحفر غير قانونية داخل المقبرة الإسلامية القديمة في بلدة تل سال شرق محافظة إربد، حالة من الغضب والاستياء بين أبناء البلدة، بعد ملاحظة تعرض عدد من القبور لأعمال حفر عميقة وسراديب يعتقد أنها نفذت بدافع البحث عن الكنوز والدفائن.
ويؤكد سكان المنطقة أن هذه الاعتداءات لم تقتصر على الإضرار بالمقبرة فحسب، بل شكلت انتهاكا صارخا لحرمة الموتى، وأثارت مخاوف من ضياع جزء من الإرث التاريخي والوجداني الذي تمثله المقبرة، والتي تضم رفات مؤسسي البلدة وأجيالها المتعاقبة.
وأضافوا أن المقبرة تعد من أقدم المقابر في المنطقة، وترتبط بتاريخ بلدة تل سال منذ عشرات السنين، إذ اعتاد أبناء البلدة زيارتها في المناسبات الدينية والاجتماعية، ويعتبرونها شاهدا على تاريخ القرية وتطورها، حيث يرى كثيرون أن المساس بهذا المكان لا يمس حجارة أو قبورا فحسب، وإنما يطال ذاكرة مجتمع بأكمله، ويستدعي تحركا عاجلا من الجهات المختصة لوضع حد لهذه الممارسات.
وبدت آثار الحفر واضحة في أكثر من موقع داخل المقبرة، حيث ظهرت حفر متفاوتة العمق، فيما بدت بعض أجزاء الأرض غير مستقرة نتيجة الحفر أسفلها، وفق سكان أكدوا أيضا أن هذه الأعمال نفذت خلال ساعات الليل، مستغلين هدوء المكان وبعده عن التجمعات السكانية المباشرة.
ويقول المواطن أحمد عبابنة، وهو أحد أبناء البلدة، إن مشهد الحفر داخل المقبرة كان صادما لكل من شاهده، مضيفا أن الأهالي لم يتوقعوا أن يصل الأمر إلى نبش القبور بهذه الطريقة، مشيرا إلى أن المقبرة تحمل قيمة معنوية كبيرة لدى أبناء تل سال، لأنها تضم رفات الأجداد الذين أسهموا في تأسيس البلدة، ولذلك فإن أي اعتداء عليها يترك أثرا نفسيا عميقا في نفوس السكان.
ويضيف أن الأهالي باتوا يشعرون بالقلق من تكرار هذه الاعتداءات، خصوصا في ظل انتشار قصص وإشاعات عن وجود دفائن وكنوز في المواقع القديمة، وهي شائعات تدفع بعض ضعاف النفوس إلى ارتكاب أعمال مخالفة للقانون وللقيم الدينية والإنسانية، مؤكدا أن معالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى وجود رقابة أمنية أكبر، إلى جانب نشر الوعي بخطورة الاعتداء على المقابر والمواقع التاريخية.
مسؤولية جماعية
كما يؤكد عبابنة، أن المجتمع المحلي مستعد للتعاون الكامل مع الجهات المختصة، من خلال الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة، داعيا أبناء البلدة إلى اعتبار حماية المقبرة مسؤولية جماعية، لأن الحفاظ عليها هو حفاظ على تاريخ العائلات وكرامة الموتى وإرث الأجيال السابقة.
أما المواطن محمد جرادات، فيقول: إن أكثر ما أثار حزنه هو رؤية القبور وقد تعرضت للحفر والتخريب، مؤكدا أن المقابر تحظى في المجتمع الأردني بمكانة دينية واجتماعية كبيرة، وأن احترامها يمثل جزءا من منظومة القيم التي تربى عليها أبناء المنطقة.
ويوضح أن كثيرا من كبار السن في البلدة يتحدثون عن تاريخ المقبرة ودورها في توثيق مراحل مختلفة من تاريخ تل سال، ولذلك فإن الاعتداء عليها لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة تخريب عادية، بل هو اعتداء على الذاكرة الجماعية للسكان، مشيرا إلى أن الأهالي يأملون في إعادة تأهيل الأجزاء المتضررة، وإغلاق الحفر التي خلفها العابثون، بما يضمن سلامة الموقع واحترام حرمته.
من جهته، يؤكد الدكتور سامر الزعبي، وهو باحث في علم الآثار، أن أي عملية حفر عشوائية داخل موقع تاريخي أو مقبرة قديمة تؤدي إلى تدمير طبقات أثرية تشكل سجلا علميا مهما لدراسة تاريخ المنطقة.
ويوضح أن علماء الآثار يعتمدون على ترتيب الطبقات والتكوينات الأرضية لفهم التسلسل الزمني للموقع، وأن العبث بها يفقد الباحثين معلومات لا يمكن استعادتها.
ويضيف الزعبي أن كثيرا من الروايات الشعبية حول الكنوز المدفونة لا تستند إلى أساس علمي، لكنها تدفع بعض الأشخاص إلى تنفيذ عمليات تنقيب غير مشروعة تلحق أضرارا كبيرة بالمواقع التاريخية، مشددا على أن أي أعمال تنقيب يجب أن تتم بإشراف الجهات المختصة ووفق إجراءات قانونية وعلمية دقيقة، حفاظا على التراث الوطني.
كما يرى أن حماية المواقع الأثرية لا تعتمد على الأجهزة الرسمية وحدها، بل تتطلب مشاركة المجتمع المحلي، لأن سكان المنطقة هم الأكثر قدرة على ملاحظة أي نشاط غير طبيعي والإبلاغ عنه قبل وقوع الضرر.
بدوره، يقول الشيخ جمال البطاينة إن الشريعة الإسلامية شددت على صيانة حرمة الإنسان حيا وميتا، وجعلت للمقابر مكانة خاصة يجب احترامها وعدم الاعتداء عليها، مشيرا إلى أن نبش القبور بغير مسوغ شرعي يعد من الأعمال المحرمة، لما فيه من امتهان لكرامة الإنسان وإيذاء لمشاعر ذويه.
ويضيف أن احترام المقابر يعكس احترام المجتمع لقيمه الدينية والإنسانية، وأن من واجب الجميع التصدي لمثل هذه السلوكيات من خلال التوعية والإبلاغ عن أي تجاوزات، مؤكدا أن الحفاظ على حرمة الموتى مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية قانونية.
تعزيز الخطاب التوعوي
ويرى البطاينة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز الخطاب التوعوي، وربط الأجيال الجديدة بقيم احترام الموتى وصون المقابر، وعدم الانجرار خلف أوهام الثراء السريع التي تدفع البعض إلى ارتكاب أفعال محرمة ومجرمة قانونا.
ويطالب أبناء البلدة بتكثيف الدوريات الأمنية في محيط المقبرة، وتركيب كاميرات مراقبة وإنارة كافية، وإعادة تأهيل الأجزاء التي تعرضت للتخريب، إضافة إلى تشديد العقوبات بحق من يثبت تورطه في أعمال النبش والاعتداء على المقابر.
كما دعوا إلى إطلاق حملات توعية مجتمعية تؤكد أهمية المحافظة على المواقع التاريخية والدينية، وإشراك المدارس والجمعيات المحلية في برامج تهدف إلى تعزيز ثقافة حماية التراث، باعتباره جزءا من الهوية الوطنية.
ويرون أن الحفاظ على المقابر القديمة لا يقتصر على حماية أماكن الدفن، بل يمتد إلى صون ذاكرة المجتمعات المحلية، والحفاظ على الشواهد التاريخية التي توثق مسيرة القرى والمدن عبر الأجيال، مؤكدين أن احترام حرمة الموتى يمثل مظهرا من مظاهر رقي المجتمعات، وأن التصدي لأعمال النبش والتخريب مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي، لضمان بقاء هذه المواقع شاهدة على التاريخ ومحفوظة للأجيال القادمة.
ولا تعد حادثة مقبرة تل سال الأولى من نوعها في محافظة إربد، إذ شهدت المحافظة خلال السنوات الماضية تكرار حوادث الحفر غير المشروع في عدد من المقابر والمواقع القديمة، بدافع البحث عن الدفائن والكنوز، مستندة إلى روايات وإشاعات لا تستند في معظمها إلى أي أساس علمي أو تاريخي. وتسببت هذه الممارسات في إلحاق أضرار بالمقابر والمواقع التراثية، وسط مطالبات متكررة بتشديد الرقابة وتغليظ العقوبات بحق المتورطين، للحد من هذه الظاهرة التي تهدد التراث الثقافي وتنتهك حرمة الموتى.
من جانبه، قال الناطق الإعلامي باسم بلدية إربد الكبرى غيث التل: إن البلدية، بصفتها الجهة المسؤولة عن إدارة وحراسة المقابر التابعة لها، تتابع أي اعتداءات أو تجاوزات قد تطال هذه المواقع بالتنسيق مع الجهات الأمنية والجهات المختصة، مؤكدا أن الحفاظ على حرمة المقابر يمثل أولوية لما لها من مكانة دينية وإنسانية واجتماعية.
وأضاف أن البلدية تعمل على تكثيف الجولات الرقابية على المقابر، وتنفذ أعمال الصيانة والنظافة بشكل دوري، داعيا المواطنين إلى الإبلاغ الفوري عن أي تحركات أو أعمال حفر مشبوهة، بما يسهم في حماية المقابر ومنع العبث بها والحفاظ على حرمة الموتى.
وبحسب مصدر أمني، فإن أي أعمال حفر أو تنقيب بهدف البحث عن الدفائن أو الآثار من دون الحصول على الموافقات القانونية تعد مخالفة يعاقب عليها القانون، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية لن تتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في الاعتداء على المقابر أو المواقع الأثرية.
وأشار إلى أن التحقيقات مستمرة لتحديد هوية الأشخاص الذين نفذوا أعمال الحفر، داعيا المواطنين إلى عدم الاقتراب من مواقع الحفر أو العبث بها، وإبلاغ الأجهزة الأمنية فورا عن أي تحركات أو أعمال مشبوهة، بما يساعد في ضبط المتورطين والحفاظ على الموقع.
ويعاقب القانون الأردني على أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الدفائن والآثار بالحبس مدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار، وفقا لما تنص عليه التشريعات الصادرة عن دائرة الآثار العامة.
أحمد التميمي/ الغد

