المسافة الآمنة… سرّ استمرار العلاقات

الدكتور عبد المطلب القضاه
كثير من المشكلات التي تحدث بين الناس، وخصوصًا بين الأزواج، لا تبدأ من الكراهية أو سوء النية، وإنما من غياب المساحة الآمنة التي يحتاجها كل إنسان في حياته.
يُروى في معنى جميل أن قنفذين خرجا من جحرهما في ليلة شديدة البرودة، وابتعدا كثيرًا عن بيتهما، حتى اشتد عليهما البرد وأصبح الرجوع مستحيلًا. حاولا الاقتراب من بعضهما طلبًا للدفء، لكن أشواك كل واحد منهما كانت تؤذي الآخر. فإذا ابتعدا شعر كل منهما بالبرد، وإذا اقتربا أكثر من اللازم وخز أحدهما الآخر.
وبعد محاولات، توصلا إلى الحل: أن يقترب كل منهما بالقدر الذي يمنحه الدفء، ويترك في الوقت نفسه مسافة تمنع الأشواك من إيذاء الآخر.
وهذه الحكاية، وإن كانت رمزية، تحمل درسًا عظيمًا في الحياة.
فحتى في الطريق هناك مسافة أمان بين السيارات؛ لأن الاقتراب الزائد قد يؤدي إلى الاصطدام. وحتى في الكتابة نترك مسافة بين الكلمات، لأن تداخلها يجعل قراءتها صعبة. وفي البناء نترك مسافات محسوبة بين الأشياء حتى تؤدي وظيفتها بصورة صحيحة.
فلماذا لا نترك مسافة أمان في علاقاتنا الإنسانية؟
في الحياة الزوجية، لا يعني الحب أن يعرف الزوج كل تفاصيل حياة زوجته، ولا أن تعرف الزوجة كل صغيرة وكبيرة في حياة زوجها. وليس من علامات المحبة أن يسأل أحدهما الآخر عن كل مكالمة، ومن اتصل؟ وماذا قال؟ ولماذا اتصل؟ وأين كنت؟ ومع من تحدثت؟
الحب الحقيقي لا يقوم على المراقبة، وإنما على الثقة والاحترام.
فالزوج يحتاج إلى مساحة من الحرية والخصوصية، والزوجة تحتاج إلى المساحة نفسها. وكلما شعر الإنسان أن شريكه يثق به ويحترم خصوصيته، ازداد قربًا منه واطمئنانًا إليه.
والأمر لا يقتصر على الأزواج؛ فحتى بين الأصدقاء والأقارب والأبناء، هناك حاجة إلى مساحة تحفظ المحبة من أن تتحول إلى تدخل، والاهتمام من أن يتحول إلى مراقبة، والقرب من أن يتحول إلى خناق.
ليس كل اقتراب محبة، وليس كل ابتعاد جفاء.
هناك قرب يدفئ القلب، وقرب يخنقه. وهناك مسافة تحفظ الود، ومسافة تتحول إلى قطيعة. والحكمة ليست في أن نقترب دائمًا، ولا في أن نبتعد دائمًا، وإنما في أن نعرف متى نقترب، ومتى نبتعد، وكم يجب أن تكون المسافة بيننا.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي لا توجد فيها مسافات، وإنما تلك التي يعرف أطرافها كيف يحافظون على المسافة الصحيحة.
نقترب عندما يحتاج الآخر إلى دفئنا، ونبتعد قليلًا عندما يحتاج إلى خصوصيته، ونسانده دون أن نسيطر عليه، ونحبه دون أن نمتلكه، ونثق به دون أن نراقبه.
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحرية.
وكما أن القنفذين لم يستطيعا العيش في البرد بعيدين عن بعضهما، ولم يستطيعا الاحتمال وهما ملتصقان ببعضهما، فقد وجدا الحل في المسافة المناسبة.
وهكذا هي الحياة…
اقتربوا من بعضكم بالقدر الذي يمنحكم الدفء، وابتعدوا بالقدر الذي يمنعكم من إيذاء بعضكم.
ففي كثير من الأحيان، ليست المشكلة في قلة الحب، وإنما في غياب المسافة الآمنة التي تحمي الحب من نفسه.
الدكتور عبدالمطلب القضاه

