بين التوسع العمراني وتجارة أشجار الزينة.. هل تنقرض “أمهات الزيتون” في عجلون؟

 

عجلون- تقف “أمهات الزيتون” المعمرة، أو ما تُعرف بـ”الزيتون الرومي”، شاهدا حيا على عمق التاريخ والخصوصية الزراعية لمحافظة عجلون، فبجذوعها القياسية التي يتراوح قطرها بين مترين وخمسة أمتار، وجذورها الممتدة في أعماق الجبال منذ آلاف السنين، تحولت هذه الأشجار التاريخية إلى جزء أصيل من هوية المحافظة، ومصدر رزق رئيس، وعلامة تجارية مميزة يقصدها الزبائن لشراء أجود أنواع الزيت والزيتون.

ورغم هذا الصمود، تتعالى اليوم صيحات تحذيرية من مزارعين وباحثين ومسؤولين محليين بضرورة الحفاظ على هذه الأشجار، مؤكدين أن هذه الثروة الوطنية باتت تئن تحت وطأة الزحف العمراني والاعتداءات المتكررة والمتاجرة غير المشروعة بنقلها لتزيين الحدائق والمنازل خارج المحافظة.
مخاطر التمدد العمراني والتجارة غير المشروعة
يؤكد مزارعون ومواطنون في محافظة عجلون أن أمهات الزيتون في المحافظة، أو ما يعرف بالزيتون المعمر الرومي، تشكل هوية المحافظة وعلامة تجارية مميزة لندرة وجودة ثمارها وزيتها التي يتسابق الزبائن على شرائها، موضحين أن آلاف أشجار الزيتون المعمر ما تزال تتشبث جذورها بأكتاف جبال عجلون منذ مئات وآلاف السنين، صامدة أمام كل عوامل الطبيعة، الأمر الذي يتطلب العمل على حمايتها من القطع أو القلع، الذي بات يهدد بتراجع أعدادها بشكل لافت.
ويبينون أن استمرار الحال، خصوصا مع التوسع العمراني وتنفيذ المشاريع الإسكانية وتزايد عمليات الاتجار بها، سيؤدي في النهاية إلى انقراضها، داعين الجهات المعنية إلى وضع خطة شاملة للحفاظ على هذه الثروة وحمايتها من الأمراض والتغيرات البيئية.
ويشخص المزارع حسين أحمد المشكلة بأن أمهات الزيتون المعمرة باتت مهددة بتراجع أعدادها وزوالها تماما من بعض المناطق في ظل التوسع العمراني الأفقي ومحدودية المساحات المنظمة والخالية من أشجار الزيتون، قائلا: “في حال استمر الحال كما هو عليه الآن، فإن تلك الأشجار الضاربة جذورها في أعماق التاريخ ستتلاشى يوما بعد يوم”.
ويضيف أن غالبية أشجار الزيتون المعمرة يصل عمرها إلى مئات السنين، وتتميز بأحجامها القياسية التي تتراوح أقطار سيقانها ما بين مترين وخمسة أمتار، ما يستوجب توفير الحماية والرعاية للحفاظ عليها، سواء بمعالجتها من الأمراض ومنع اقتلاعها لغايات إنشاء الأبنية والمتاجرة بها، أو نقلها إلى مناطق وبيئات أخرى لا تلائمها، لافتا إلى أن هذه الأشجار تحمل أهمية كبيرة للمحافظة سياحيا وتنمويا، نظرا لعراقتها ووفرة إنتاجها.
وتنص المادة (34) من قانون الزراعة الأردني على حظر قطع أو إتلاف الأشجار المثمرة النادرة والمهددة بالانقراض إلا بموافقة خطية ومسبقة من وزير الزراعة، بهدف حماية الثروة النباتية والبيئية في المملكة، في حين يُحظر قطع أو إتلاف أي أشجار حرجية معمرة أو نادرة أو نباتات برية مهددة بالانقراض بشكل قطعي ودون استثناء، ويعاقب المخالفون بالحبس لمدة ستة أشهر، بالإضافة إلى غرامة مالية تعادل ثلاثة أضعاف القيمة المادية لكل شجرة يتم قطعها أو إتلافها.
ويرى المهندس الزراعي ماهر الصمادي أنه، ورغم أن أنظمة وتعليمات وزارة الزراعة تمنع اقتلاع تلك الأشجار الأمهات أو نقلها إلى مواقع أخرى، فإن تلك الأفعال ما تزال مستمرة في الخفاء، ويتم ضبط حالات بين الحين والآخر، إما بسبب أعمال البناء أو لبيعها لأثرياء لزراعتها في حدائق منازلهم خارج المحافظة، مشيرا إلى أن آلاف أشجار “الزيتون الرومي” المعمر، أو ما تسمى بأمهات الزيتون، ما تزال شاهدا على اغتنام من سكنوا المنطقة قبل مئات السنين لخصوصية المحافظة الزراعية، ما يستدعي المزيد من الاهتمام والرعاية وتوفير الدعم الحكومي لاستثمار هذه الخصوصية.
ويؤكد أن قيمة هذه الأشجار المعمرة لا تخفى على سكان المحافظة، بل وحتى المواطنين في مناطق أخرى، خاصة إنتاجها المتميز من ثمار الزيتون والزيت، مطالبا الجهات الرسمية والتطوعية باتخاذ تدابير كفيلة بحمايتها وإبرازها واستثمارها لأغراض السياحة.
ويقول الباحث محمود الشريدة إن أشجار الزيتون المعمرة تنتشر بكثرة في مناطق كفرنجة وعنجرة والوهادنة وحلاوة والهاشمية، وتعتبر مصدر رزق للكثير من الأسر، إذ توفر لهم مؤونتهم من الزيت والزيتون وبيع الفائض منها لسد احتياجاتهم، ما يستدعي توجيه الدعم لها بتوفير المبيدات والأسمدة والري للحفاظ عليها من التلف، لافتا إلى أن عددا من المبادرات والجهود التطوعية بُذلت في المحافظة في أوقات سابقة لتسليط الضوء على تلك الأشجار والعمل على نشر الوعي بأهمية الحفاظ عليها واستثمارها سياحيا عبر عمل مسار سياحي يعرف بـ”مسار الزيتون الرومي”.
وبين أن عمر أعداد كبيرة من أشجار الزيتون الرومي يمتد لأكثر من 1600 عام، وقد يصل إلى 2000 عام، إلا أن كل هذه السنين لم تشفع لها، إذ تتعرض لاعتداءات بين الفينة والأخرى، موضحا أن الآباء والأجداد كانوا يملأون سيقانها بالتراب والحجارة للحفاظ عليها من أشعة الشمس ومن التلف، ما ساهم في الحفاظ على هذه الأشجار التاريخية من التلف لفترات طويلة.
جذور تاريخية وأهمية اقتصادية وسياحية
يبين المهندس الزراعي سامي فريحات أن أشجار الزيتون الرومي وعموم أشجار الزيتون تعتبر من أهم الأشجار الاقتصادية المزروعة في المحافظة، إذ تشكل أكثر من 75 % من مجموع مساحات الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في عموم المحافظة، موضحا أن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في المحافظة تقدر بـ86 ألف دونم، في حين أن الناتج من أشجار الزيتون يشكل دخلا رئيسا للكثير من العائلات الأردنية، ودخلا إضافيا وتكميليا لعائلات أخرى.
ويقول المواطن أحمد الغزو: “أمهات أشجار الزيتون والمعروفة بـ”الرومية” تستحق منا جميعا، أفرادا ومؤسسات، وقفة صادقة وحقيقية لحمايتها ورعايتها من الزحف العمراني وكل الأخطار التي تهددها، إذ إن أول خطوة يجب أن تتبناها جمعيات معنية وبيئيون ووزارة الزراعة هي إحصاؤها وتوثيقها في سجلات ومتابعتها بشكل دوري، إضافة إلى إيجاد تشريع يمنع التعدي عليها من أصحابها لأي سبب كان، باعتبارها ثروة وطنية وقيمة تاريخية وإنسانية لا تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها”.
ويوضح المواطن راضي مفلح أن ثمار أشجار الزيتون المعمر عالية الجودة ولذيذة المذاق، سواء في حال تحويلها إلى كبيس أو عصرها لتتحول إلى زيت رائع الطعم، إلى جانب مزاياه الغذائية، مؤكدا أن تلك الأشجار القديمة أفضل من الأنواع الأخرى لملاءمة المناخ لها من جهة، ونوعيتها وميزاتها من جهة أخرى، ولما تتصف به من صفات تمكنها من الاستمرار في البقاء في ظل التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار.
ويضيف أن شجرة الزيتون المعمر تتميز بقدرتها على تحمل مختلف الظروف القاسية وعدم حاجتها إلى رعاية خاصة وعناية كبيرة، مشددا على أهمية مكافحة الأمراض التي تصيب أشجار الزيتون، خصوصا ذبابة ثمار الزيتون التي تعد الأشد فتكا بأشجار الزيتون.
ويؤكد مسؤول مبادرة “الأردن بعيون مصوري عجلون” منذر الزغول أنه جرى إطلاق المبادرة لتسليط الضوء على أشجار الزيتون المعمرة واستثمارها سياحيا، مبينا أنه جرى قبل 3 أعوام إطلاق مسار سياحي تحت مسمى “مسار الزيتون الرومي” في منطقتي الهاشمية والوهادنة، والذي يضم أشجارا تزيد أعمارها على 2000 عام، بهدف توثيق هذه الأشجار المعمرة وحمايتها ووضعها على الخريطة السياحية للمحافظة والاستفادة منها لتنشيط الحركة السياحية.
ويلفت إلى أن المبادرة تسعى إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه هذه الثروة الوطنية التي تتعرض للاعتداءات أحيانا بسبب المتاجرة بها أو اقتلاعها من المناطق السكنية لغايات إنشاء المنازل، قائلا: “الهدف الآخر من وراء إطلاق مسار الزيتون الرومي المعمر جاء لتشجيع أصحاب مزارع هذه الأشجار للاحتفاظ بها والعناية بها، وتشجيع الجهات الحكومية على تقديم الدعم لأصحابها، بالإضافة إلى توثيقها من خلال الصور ومقاطع الفيديو لتمكين الجهات المختصة من متابعتها”.
من جانبه، يؤكد مدير ثقافة المحافظة سامر فريحات أن الأشجار المعمرة أصبحت تئن وتستغيث من وطأة زحف عمراني، ما يستدعي إجراءات حازمة لحمايتها ودعما كافيا لرعايتها، وإدراجها على الخريطة السياحية للمحافظة باعتبار أعمارها تماثل تاريخ كثير من المواقع الأثرية والتاريخية، مؤكدا أن أشجار الزيتون الرومي في عدد من مناطق محافظة عجلون تشكل ظاهرة تستدعي توثيق هذه الأشجار وإطلاق حملة للحفاظ عليها من التقطيع والاقتلاع لغايات الإنشاءات.
ويشير إلى أن أشجار الزيتون المعمرة في منطقة ميسر الهاشمية بعجلون، والتي تعود للعصر الروماني، تعد واحدة من المناطق التي تستحوذ على اهتمام زوار البلدة نظرا لقدم هذه الأشجار، والتي أصبحت محاطة بالأبنية التي قد تهدد بقاءها مع التوسع العمراني وتزايد السكان، خاصة أنها من أكثر مناطق الأردن التي تتواجد بها هذه الأشجار، مبينا أن منطقة الميسر ذات المساحات الواسعة، التي تصل إلى مئات الدونمات، تضم أشجار زيتون منذ العصور الرومانية وتوارثتها الأجيال عبر مئات السنين.
ويلفت إلى أن هذه التحذيرات تأتي بعد أن شهدت المحافظة قبل سنوات إقدام تجار على شراء شجر الزيتون الرومي وبيعه لأشخاص أثرياء في مناطق خارج المحافظة، ليعاودوا زراعته في حدائق قصورهم لأغراض الزينة، على الرغم من أن أشجار الزيتون التاريخية تمثل قيمة وطنية وتراثا حضاريا يجب المحافظة عليه.
ويقول مدير سياحة المحافظة فراس الخطاطبة إن المديرية ترحب بأي أفكار ومبادرات تدعم القطاع السياحي في المحافظة، وخصوصا استثمار الزيتون الرومي في الترويج السياحي، مؤكدا ضرورة توفير أفضل وأنجع السبل للحفاظ على هذه الثروة الوطنية الكبيرة، وخاصة في مجال وضعها على الخريطة السياحية للمحافظة وتقديم كافة أشكال الدعم والمساندة لأصحاب مزارع هذه الأشجار للحفاظ عليها.
جهود رسمية ومبادرات أهلية للحماية
مديرية زراعة محافظة عجلون قامت الأسبوع الماضي بنقل عدد من أشجار الزيتون من موقعها على طريق وادي الطواحين إلى مواقع عامة مخصصة لزراعتها، بهدف المحافظة عليها وضمان استدامتها ضمن خطتها لحماية الأشجار المعمرة والمحافظة على الثروة النباتية في المحافظة.
وأكدت المديرية في بيان لها أن عملية نقل الأشجار تأتي في إطار المحافظة على أشجار الزيتون وضمان ديمومتها والاستفادة منها في تجميل المواقع العامة وتعزيز الغطاء النباتي، بما ينسجم مع أهمية أشجار الزيتون باعتبارها جزءا من الهوية الزراعية والبيئية لمحافظة عجلون، مؤكدة أن الكوادر العاملة تواصل متابعة الأشجار والمحافظة عليها من خلال الإجراءات الفنية المناسبة، بما يسهم في حماية الثروة النباتية وتعزيز استدامتها.
من جهته، يؤكد مدير زراعة المحافظة المهندس صيتان السرحان أن المديرية تتعاون مع المزارعين والجمعيات التي تعنى بالحفاظ على مثل هذه الأشجار، عبر عقد الندوات والمحاضرات والتدريب لمكافحة الآفات التي تصيب هذه الأشجار، للمحافظة عليها وإدامتها، كونها إرثا تاريخيا عظيما يجب الالتفات إليه والاهتمام به، مبينا أن هناك حالات استثنائية يُسمح فيها بتصاريح من الوزارة بقطع الأشجار لغايات النفع العام، كفتح شارع أو تداخل وخطورة مع أسلاك كهرباء أو ميل الشجرة على أحد البيوت.
ويقول: “إذا كان اقتلاع الشجر لغير هذه الغايات ودون تبرير واضح أو ضرورة ملحة، فإن وزارة الزراعة تتخذ إجراءات الضبط والغرامة بحق الفاعل، وتعمل على تحويله إلى الحاكم الإداري، وفي بعض الحالات يتم تحويل الفاعل للقضاء”، موضحا أن القانون يحظر قطع الأشجار المعمرة المثمرة النادرة والمهددة بالانقراض أو إتلافها إلا بموافقة الوزير، وخلاف ذلك يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين.

 

 عامر خطاطبة// الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة