متجر الأحزان // سعيد ذياب سليم

كان أول ما يلفت انتباه المارة زقزقةُ عصافير، لحنٌ موسيقي عذب ينبعث من قفص صغير معلّق في الظل، فوق رؤوس السائرين على الرصيف أمام الدكان الصغير.
تظن أنك مررت تحت شجرة لوز أو عريشة عنب، ثم تصافح عينيك بهجة الألوان: الخضراء والحمراء والصفراء والبرتقالية.
كان دكانًا لبيع الخضار والفاكهة.
تصطف فيه الصناديق بنظام جميل، وتتكوم حبات البندورة في الواجهة، حتى لكأنك تسمع نداءها يغريك بحملها، فتمتد يدك، دون إرادة منك، تداعبها وأنت تسأل عن سعرها.
فإذا دخلت الدكان، خِلتَ نفسك قد دخلت مهجعَ جنياتٍ حِسانٍ يأسرُك سحرُهنّ؛ تتجاور فيه المانجو والأناناس والجوافة، وقد بان حُسن وجوهها، فتأسر العين بألوانها، كأن شموس الديار البعيدة قد أشرقت في ذلك الدكان الصغير.
فترى الرمان مستديرًا ملء الكف. تغريك الروائح العطرة للفواكه، ويسكرك المذاق قبل أن تدنو شفتيك من حبات عنبه وعنابه، فتتداعى إلى خيالك الصور، وتشعر وقد سالت عصارات فمك.
تحركك عاصفة الرغبة، فتملأ أكياسك عنبًا وتفاحًا وبرقوقًا.
ثم تميل إلى المرج الأخضر، فتقتلع من صناديقه النعناع والبقدونس والجرجير، وسائر الورقيات الخضر الموسمية، كأنك تتجول في مزرعة صغيرة.
وقبل أن يغادرك المرح، تنتقي ما يلذّ النظر إليه من خضروات ودرنات وسيقان، تصنع منها وجباتٍ رئيسية، أو مقبلاتٍ تزيّن بها المائدة، ثم تميل إلى مجالستهنّ في سهرةٍ ليليةٍ طويلة.
وإذا عدت في الليل متأخرًا ومررت به، رأيت البائع يودّع يومه بأنفاس من نارجيلته، يرتدّ صدى بقبقتها عن جدران الحارة التي خلت طرقاتها. فتغشاه، كأنك استجبت لغناء عذارى البحر، لتحمل معك بعض قطاف الجنة.
كأن ما مضى كان حلمًا!
جفّ الحقل، وطارت العصافير، وذبلت الوريقات، وأُغلقت أبواب الدكان.
وكأن الموت يصيب الدكاكين كما يصيب الكائنات الحية؛ أو أن صروف الدهر وعواصف الدَّين تقتلع أقوى المتاجر من جذورها.
واليوم، حين تمر بالمكان وتسير على الرصيف أمام الدكان، تجد نفسك تمشي على حذر، كمن يعبر ميدان معركة؛ تخشى أن تصيبك شظية، أو أن تقع في إحدى مصائد المغفلين.
على اليمين، أمام الدكان، تمتد طاولة عريضة تكاد تلتهم الرصيف، ثم يليها، إلى اليسار، قبّانٌ تتأرجح عليه اليوم بُقَجُ الأحزان، بعدما هجرته عرائسُ البساتين منذ زمن. وتواصل السير بخطوات مترددة، كمن يشق طريقه بين زواحف ذات أنياب. خردوات يجرها أطفال، يبيعونها بقروش قليلة، وقطع أثاث قديمة احتلت أماكنها على الرصيف، تنتظر من يشتريها؛ ممن يبدّل أحزانه بأحزان الآخرين، فبعض الأحزان أخف وطأة من غيرها.
أما في الداخل، فتسمع صراخ المناشير الكهربائية وهي تنهش المعادن الممتدة تحت أرجل المارة،،فتحسب نفسك قد مررت بأحد وديان جهنم؛ فتسرع الخطى خشية أن يصيبك شررها.
وعلى امتداد الرصيف، تتكدس أكياس الخيش المحشوة بالمعادن، مصنفة بحسب أهميتها وقيمتها، في انتظار سيارة نقل ثقيلة تحملها إلى بعض أفران الصهر أو المصانع.
فإذا خفت أن تواصل سيرك على الرصيف أمام المحل، ونزلت إلى الشارع، فوجئت بسيارة من سيارات جمع الخردة تقف أمام الدكان لتفرغ حمولتها من الأحزان.
يقف التاجر بينها، ينتقي ويساوم، ثم يصنف ما وقع عليه اختياره: هذا يحتاج إلى تلميع وصقل، وذاك تصلحه طبقة جديدة من الطلاء، أما ذاك، فلا سبيل إلى إصلاحه إلا بالصهر.
ومع حلول المساء، يبدأ الدكان باستقبال زبائن آخرين؛ يدخلون واحدًا إثر آخر، وينتقون ما يستطيعون حمله من الأحزان، يستترون بها، ويمضون في طريقهم، كأنما وجد كل واحد منهم ما يكفيه ليواصل دفع أيامه.
ومن بين هؤلاء أمهاتٌ يتوقفن طويلًا أمام سرير طفلٍ حديث الولادة، أو عربةٍ صغيرة، أو طاولة سُفرةٍ ضاقت بأهلها بعد أن كانت تجمعهم. يُقَلّبْن الأشياء بأيدٍ واجمة، ويتفحصنها كما لو أنهن يعرفن أصحابها، أو يعرفن الحكاية التي تركوها وراءهم.
ومنهن من لا تجد حزنًا مناسبًا؛ فتدخل إليه، تُسِرُّ إليه بحاجتها، فيقف بين الظل والضوء، يتحدث إليها بغموض —ما أشبهه بعرّافة دلفي— ثم تخرج وهي تحمل بين جناحيها وعدًا ليوم، أو ليومين، أو ثلاثة.
أما إذا مررت متأخرًا في الليل، فقد تفاجئك نارجيلة بائع الخضار نفسه، الذي قلب الجنة إلى جحيم، وصدى بقبقاتها يختلط بصوته وهو يتبادل النكات مع عمال ورشته.
وقد تسمعه، بين ضحكة وأخرى، يردد قصصًا بنبرة لا تخلو من تهديد، يروي فيها بطولات محاميه في صراعات هذه الغابة… غابة الأحزان. وبين كل ذلك، تسمع زقزقة عصافير، كأنها ما زالت معلقة بموطنها القديم.
سعيد ذياب سليم

