إدخال أول روبوت بشري الى الفصول الدراسية لتعليم الطلاب… هل نقف له ونُوَفِّيه التبجيل ؟


مهدي مبارك عبدالله

 

المقال يجمع بين الإثارة والسؤال الفلسفي، ويحمل دلالة عميقة تتجاوز الخبر إلى مناقشة مستقبل التربية والإنسان .

لم يعد الحديث في عصرنا الحالي عن الروبوتات البشرية والذكاء الاصطناعي من قبيل الخيال العلمي أو الروايات المستقبلية بل أصبح واقعًا يطرق أبواب المدارس والجامعات ويجلس على مقاعد التدريس ويشارك المعلمين في أداء رسالتهم التربوية خاصة وان العالم يعيش اليوم واحدة من أكبر الثورات التقنية منذ اختراع الطباعة والكهرباء والإنترنت وربما تكون آثارها أعمق وأبعد مدى لأنها تمس الإنسان في عقله وطريقة تفكيره وتعلمه .

القرار الذي اتخذته إحدى المدارس الثانوية في ولاية نيويورك بإدخال أول روبوت بشري يعمل بالذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية لم يكن مجرد تجربة تعليمية عابرة بل كان إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والآلة داخل المدرسة رغم ان الروبوت سالي لن يحل محل المعلم ولن يتولى التدريس المباشر لكنه سيكون مساعدًا ذكيًا يتفاعل مع الطلاب ويجيب عن أسئلتهم ويقدم مسارات تعليمية تناسب قدرات كل طالب .
في ألمانيا سبقت مدرسة ثانوية هذا التوجه عندما أدخلت الروبوت “Captcha” إلى قاعة الدرس ليقدم محاضرات حول الذكاء الاصطناعي ويجيب عن أسئلة الطلاب بل ويشاركهم النقاش والأكثر إثارة أن الروبوت نفسه اعترف بحدوده عندما قال إنه لا يستطيع أن يمنح الطلاب اللمسة الإنسانية التي يقدمها المعلم ولا يستطيع إدارة الصف أو احتواء المشاعر أو بناء العلاقات.

أما في الهند فقد ظهرت المعلمة الآلية إيريس بملامح بشرية وزي تقليدي لتساعد في التعليم التفاعلي وتجيب عن الأسئلة وتتكيف مع مستوى كل طالب وفي الصين لم تكتف الدولة بإدخال الروبوتات إلى المؤسسات التعليمية بل افتتحت أول مدرسة في العالم لتدريب الروبوتات البشرية ومنحها شهادات مهنية كما قبلت روبوتًا في برنامج للدكتوراه في الفنون المسرحية في مشهد كان يبدو مستحيلًا قبل سنوات قليلة وكل هذه الوقائع تؤكد أننا لا نشهد مجرد تطوير للأدوات التعليمية بل انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج جديد قد تصبح فيه الروبوتات شريكًا دائمًا في العملية التعليمية.

عمليا لا يمكن إنكار ما تحمله هذه الثورة من مزايا كبيرة والذكاء الاصطناعي بات قادر على تصميم تعليم يناسب قدرات كل طالب بدل فرض منهج واحد على الجميع كما يستطيع تصحيح الاختبارات وإعداد التقارير وتحليل أداء الطلاب في ثوان معدودة مما يخفف الأعباء الإدارية عن المعلمين ويمنحهم وقتًا أكبر للتفاعل مع طلبتهم ويمكن ايضا للروبوت أن يعمل أربعًا وعشرين ساعة متواصلة دون تعب أو ملل وأن يجيب عن الأسئلة في أي وقت وأن يحول المفاهيم المجردة إلى تجارب بصرية وتفاعلية تزيد من شغف الطلاب بالعلوم والهندسة والرياضيات.

واللافت أن هذه التقنيات فتحت آفاقًا واسعة أمام تعليم ذوي الإعاقة والطلاب الذين تمنعهم ظروفهم الصحية من الحضور إلى المدارس إذ أصبح بالإمكان توفير بيئات تعليمية مرنة تراعي احتياجاتهم الفردية وتمنحهم فرصًا متكافئة مع أقرانهم .

لكن رغم كل هذا الواقع لا تبدو الصورة وردية بالكامل لان المدرسة ليست مصنعًا لإنتاج المعلومات ولا مركزًا لتلقين الحقائق فقط بل إنها المكان الذي تتشكل فيه الشخصية وتنمو فيه القيم ويكتسب الطفل معنى الحوار والرحمة والاحترام والثقة بالنفس وهذه كلها عناصر لا تستطيع الخوارزميات الرقمية مهما بلغت دقتها أن تصنعها .

الروبوت الالي قد يشرح الدرس بإتقان لكنه لن يشعر بانكسار الطالب أو خوفه أو حزنه ولن يربت على كتفه حين يفشل ولن يكتشف موهبته المختبئة خلف صمته ولن يلهمه بحكاية من تجاربه الإنسانية كما يفعل المعلم الحقيقي ومن هنا جاءت موجة الاعتراضات في مدينة نيويورك حيث رأى كثير من المعلمين أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها وإنما في تحويل العلاقة التربوية إلى علاقة جافة بين طفل وآلة كما أثار المشروع مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات وإمكان تسجيل المحادثات أو تخزين معلومات الطلاب أو استخدامها مستقبلًا في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي .

الحقيقة ان المخاوف الاقتصادية والاجتماعية لا تقل أهمية عن ذلك وإذا أصبحت الروبوتات تؤدي جانبًا متزايدًا من مهام التعليم فقد تتراجع الحاجة إلى أعداد كبيرة من المعلمين مستقبلاً وقد تتسع الفجوة بين المدارس الغنية القادرة على شراء هذه التقنيات والمدارس الفقيرة التي ستبقى خارج هذا التحول ثم إن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي والاستنتاج والبحث إذا اعتاد الطالب الحصول على الإجابات الجاهزة بضغطة زر بدل أن يخوض رحلة الاكتشاف بنفسه .

السؤال الحقيقي ليس هل نستقبل الروبوتات في مدارسنا أم لان السؤال الأهم هو كيف نستقبلها وهل ستكون العملية أداة في يد المعلم تعزز رسالته أم تصبح بديلًا عنه وهل ستخضع لضوابط أخلاقية وقانونية صارمة تحمي خصوصية الطلاب وتحافظ على إنسانية المدرسة أم سنتركها تعمل وفق منطق الشركات والخوارزميات والأسواق .

لقد أثبت التاريخ أن كل ثورة علمية كانت تحمل معها الخير والخطر في آن واحد وأن نجاحها لم يكن مرتبطًا بقوة التقنية بقدر ما كان مرتبطًا بحكمة الإنسان في استخدامها ولهذا فإن الروبوت البشري لا يستحق ( أن نقف له ونوفيه التبجيل ) لأنه مجرد آلة متحركة مهما بلغت درجة ذكائها وأما الذي يستحق الاحترام والتقدير فهو العقل البشري الذي ابتكره والضمير الإنساني الذي يحدد حدود استخدامه.

مهما بلغت التصورات التقنية تطورا ستبقى المدرسة الاساس ما دام فيها معلم يحمل رسالة قبل أن يحمل شهادة ويصنع إنسانًا قبل أن يلقن معلومة وعندما يصبح الروبوت قادرًا على أن يمنح الطفل الحنان ويزرع فيه الأخلاق ويغرس فيه القيم ويصنع منه مواطنًا صالحًا عندها فقط يمكن أن نعيد طرح السؤال من جديد أما اليوم فإن مكان الروبوت هو إلى جانب المعلم لا مكان المعلم وهو مساعد ذكي لا مربٍ وإنسان المعرفة ليس هو إنسان الحكمة وبين المعرفة والحكمة تبقى المسافة التي لا تستطيع أي آلة مهما بلغت قوتها أن تعبرها .

ربما لن يطول الوقت حتى نشهد مدارس هجينة يتقاسم فيها الإنسان والروبوت أدوار العملية التعليمية ويتولى الذكاء الاصطناعي الأعمال الروتينية من تصحيح الواجبات وتحليل مستويات التحصيل وإعداد الخطط التعليمية الفردية بينما يتفرغ المعلم لإطلاق الطاقات الإبداعية لدى الطلبة وتنمية التفكير النقدي وبناء الشخصية وتعزيز قيم الحوار والانتماء والعمل الجماعي وبذلك لن يكون الذكاء الاصطناعي منافسًا للمعلم بقدر ما سيكون أداة ترفع من كفاءته وتمنحه وقتًا أكبر لممارسة جوهر رسالته التربوية.

في المقابل العالم يقف اليوم أمام تحديات أخلاقية وتشريعية غير مسبوقة تتطلب وضع مواثيق دولية تنظم استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمي وتحدد بوضوح مسؤوليات الشركات المطورة وآليات حماية بيانات الطلبة وضمان الشفافية في عمل الخوارزميات ومنع أي تمييز أو انحياز رقمي قد يؤثر في فرص التعلم والتقدم العلمي الحقيقي لا يقاس بعدد الروبوتات التي تدخل المدارس بل بقدرة المجتمعات على تسخير هذه التقنيات لخدمة الإنسان لا لتحويل الإنسان إلى مجرد رقم داخل منظومة إلكترونية .

رغم كل ما حققته الروبوتات البشرية والذكاء الاصطناعي من قفزات مذهلة وما ستبلغه في السنوات المقبلة من مستويات قد تبدو اليوم ضربًا من الخيال فإن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الإنسان سيبقى دائمًا أعظم من الآلة التي صنعها والروبوت مهما بلغت قدراته ليس إلا نتاجًا للعقل البشري يستمد معرفته من الإنسان ويعمل وفق ما يبرمجه الإنسان ولا يستطيع أن يخرج عن الحدود التي رسمها له الإنسان.

من هنا فإن المعلم سيظل محور العملية التربوية والأكثر أهمية فيها لأنه ليس ناقلًا للمعلومات فحسب بل مربٍ وصانع أجيال وموجه للقيم وبانٍ للشخصية وملهم للعقول وقائد للحوار داخل الصف وخارجه والتعليم نفسه ليس مجرد كلمات تُلقى ولا معلومات تُخزَّن بل علاقة إنسانية عميقة تُبنى على الثقة والمحبة والقدوة والتواصل الوجداني وهي قيم لا يمكن لأي خوارزمية أو روبوت أن يحاكيها مهما بلغ من الذكاء .

الخاتمة : بكل تأكيد ان المستقبل لن يكون للروبوت الذي يحل محل المعلم بل للمعلم الذي يحسن توظيف الروبوت والذكاء الاصطناعي في خدمة رسالته النبيلة وستبقى المدرسة كيان قائم مهما تطورت تقنياتها فهي بحاجة إلى قلب إنسان وعقل معلم وضمير مربٍ لأن الآلة تستطيع أن تعلِّم لكنها لا تستطيع أن تُربي وقد تنقل المعرفة لكنها لن تصنع الإنسان وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا ونحن نستقبل العصر الرقمي بكل ما يحمله من وعود وآمال .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.