هل تنجح جرش بتوسيع النشاط السياحي خارج موسم الصيف؟

جرش- تعيش محافظة جرش هذه الأيام واحدة من أجمل فترات العام سياحيا، مع اعتدال الأجواء التي تمنح الزائر فرصة للتنقل بين المواقع الأثرية والغابات والمناطق الريفية والمزارع بعيدا عن موجات الحر.
وتشهد المحافظة نشاطا في الرحلات إلى الغابات والمسارات الطبيعية، وتزداد حركة المزارع والشاليهات والمطاعم الريفية، لا سيما أن المحافظة تجمع بين مدينة أثرية ذات مكانة عالمية، وغابات كثيفة ومحميات طبيعية، ومسارات للمشي والمغامرة، ومزارع ومنشآت ريفية، ومنتجات زراعية وغذائية وحرفية، إضافة إلى قربها من العاصمة وعدد من مراكز التجمع السكاني، الأمر الذي يجعلها وجهة مناسبة للسياحة الداخلية القصيرة ورحلات اليوم الواحد وعطلات نهاية الأسبوع.
بدوره، قال الخبير السياحي الدكتور يوسف زريقات إن ما تحتاجه جرش هنا ليس بالضرورة مشروعات ضخمة، وإنما إعادة تنظيم الموجود وربطه ببعضه، فبدل أن يأتي الزائر إلى المدينة الأثرية ثم يغادر المحافظة، يمكن تصميم برامج يوم كامل تجمع بين الآثار والطبيعة والطعام الريفي والتسوق من المنتجات المحلية، وبرامج أخرى تمتد إلى يومين لمن يرغب بالمبيت في أحد الفنادق أو النزل أو المزارع السياحية.
ويرى زريقات أن الغابات من أهم الأوراق التي تستطيع جرش استخدامها في مواجهة موسمية السياحة، لكن بشرط أن يجري التعامل معها باعتبارها منتجا بيئيا متكاملا، وليس مجرد أماكن للجلوس والشواء، ففي الأيام الشتوية المعتدلة يمكن تنظيم مسارات قصيرة وآمنة تناسب العائلات، ومسارات أطول لمحبي المشي والمغامرة، إضافة إلى رحلات للتصوير ومراقبة الطيور والطبيعة، مع توفير لوحات إرشادية واضحة تحدد طول المسار ودرجة صعوبته ونقاط الاستراحة، وإغلاق المسارات التي تصبح غير آمنة أثناء الأمطار الغزيرة.
وأضاف أن تجربة غابات دبين تؤكد أن السياحة الشتوية في الطبيعة ليست فكرة مستحيلة، إذ تشهد المحمية نشاطا في المسارات والمغامرات والتصوير، إلى جانب مشروعات إنتاجية وحرفية يمكن أن تتحول إلى تجارب سياحية يشارك فيها الزائر، مثل الحرف اليدوية وصناعة الشموع ومنتجات المجتمع المحلي.
عناصر جذب سياحية
وأوضح زريقات أن الغابة نفسها تتحول إلى مدخل لسياحة شتوية مختلفة، فبدل أن يتوقف النشاط عند أول يوم ماطر، يمكن نقل جزء من التجربة إلى أماكن داخلية مرتبطة بالطبيعة، مثل ورش الحرف، وتجارب إعداد المنتجات الريفية، والتعرف إلى النباتات والأشجار، والأنشطة التعليمية للأطفال، وتجارب العسل والمنتجات الطبيعية، كما أن المسارات الطبيعية تحتاج إلى روزنامة شتوية واضحة، تحدد للزائر الأماكن المناسبة في كل فترة، وتقدم معلومات فورية عن حالة الطقس والمسارات، وتوفر خدمات النقل والإرشاد والطوارئ، لأن تطوير السياحة الشتوية لا يعني تجاهل مخاطر الانزلاق أو السيول أو الضباب أو انخفاض درجات الحرارة.
من جهته، قال المستثمر في القطاع السياحي أحمد العتوم إن المزارع السياحية والشاليهات التي انتشرت في المحافظة خلال السنوات الأخيرة برزت كجزء مهم من المعادلة، وهذه المنشآت يمكن أن تكون عامل جذب إضافيا للسياحة الشتوية إذا جرى تطوير خدماتها بما يتناسب مع الموسم، والأهم أن يجري التعامل مع هذه المنشآت باعتبارها جزءا من منظومة السياحة في المحافظة. فالمزرعة يمكن أن تكون محطة في برنامج سياحي متكامل بدل أن تكون وجهة منفصلة، يبدأ البرنامج بزيارة الموقع الأثري، ثم مسار طبيعي قصير، ثم وجبة ريفية في مزرعة، ثم شراء منتجات محلية والعودة مساءً، أو المبيت لليلة واحدة لمن يرغب.
وبين العتوم أن المزارع تقدم في الشتاء منتجات وتجارب لا تعتمد على الجلسات الخارجية فقط، مثل الطعام الريفي، والخبز التقليدي، وتجارب إعداد المأكولات المحلية، وورش للأطفال، والفعاليات الثقافية، والمنتجات الزراعية، والأنشطة المرتبطة بموسم الزيتون، وهنا تحديدا يمكن أن تستفيد جرش من موسم الزيتون، الذي يتزامن مع الخريف وبدايات الشتاء، لتحويل النشاط الزراعي إلى تجربة سياحية. فبدل أن يبقى قطف الزيتون وعصره نشاطا زراعيا مغلقا على المزارعين، يمكن تنظيم زيارات للمزارع والمعاصر تتيح للزائر التعرف إلى مراحل القطاف والعصر وتذوق الزيت وشراء المنتجات المحلية وتناول وجبة ريفية.
وأضاف أن السائح اليوم لا يبحث دائما عن مشاهدة المكان فقط، وإنما عن المشاركة في التجربة، وهذه نقطة يمكن أن تمنح جرش ميزة حقيقية، فالزائر القادم من المدن يستطيع أن يشارك في تجربة لا يجدها في حياته اليومية، من قطف الزيتون إلى إعداد الطعام الريفي والتعرف إلى الحرف والمنتجات الزراعية، كما يمكن للطعام المحلي أن يكون أحد مفاتيح السياحة الشتوية، خصوصا أن الأجواء الباردة تمنح المطاعم والمزارع فرصة لتقديم تجربة مختلفة قائمة على الأكلات الشعبية والمنتجات المحلية والزيت والزيتون والمخللات والمربيات والعسل وغيرها من المنتجات التي يمكن أن ترتبط باسم جرش.
سلسلة فعاليات صغيرة
وبحسب الناشطة هند الشروقي، فإن المحافظة لا تحتاج بالضرورة إلى مهرجان كبير واحد حتى تنشط في الشتاء، بل يمكن أن يكون الحل في إقامة سلسلة فعاليات صغيرة ومتكررة طوال الموسم، يوم للطعام الريفي، ويوم للزيتون، وفعاليات للمشي والتصوير، وأيام للحرف اليدوية، وفعاليات للأطفال، وأسواق موسمية للمنتجات الزراعية، وأمسيات ثقافية وتراثية.
وأوضحت الشروقي أن مثل هذه الفعاليات يمكن أن توزع الحركة على أشهر الشتاء بدل أن تتركز في مناسبات محدودة، كما أنها تتيح للمجتمع المحلي الاستفادة المباشرة من النشاط السياحي من خلال البيع والعمل والإرشاد وتقديم الخدمات، ومن المهم أيضا عدم إغفال السياحة الليلية، فالشتاء لا يعني بالضرورة انتهاء اليوم السياحي عند غروب الشمس، بل يمكن للمطاعم والمزارع والمراكز السياحية أن تقدم أمسيات تراثية وثقافية، وتجارب طعام محلي، وفعاليات للحرف، وأمسيات موسيقية وشعرية، بما يطيل فترة بقاء الزائر ويزيد الإنفاق السياحي داخل المحافظة.
وبينت الشروقي أن أهمية مشروع القرية السياحية البيئية في جرش، الذي يجري العمل على إنجازه ليشكل إضافة جديدة للمنتج السياحي في المحافظة، بما يتضمنه من نزل بيئي ومرافق للزوار ومطاعم ومناطق للعائلات ومرافق للمغامرات وسوق للمنتجات المحلية، مضيفة أن وجود مثل هذا المشروع يمكن أن يساعد على دعم السياحة خارج موسم الصيف، لكنه سيكون أكثر فاعلية إذا جرى ربطه ببقية المقومات وعدم التعامل معه كجزيرة سياحية منفصلة.
وأكد الدليل السياحي حسن عتمة أن السياحة الشتوية تحتاج إلى تحسين بعض الخدمات الأساسية في المواقع الطبيعية، من مواقف للسيارات ودورات مياه ولوحات إرشادية وإنارة حيثما كان ذلك مناسبا، وأماكن استراحة، ونقاط طوارئ، وتنظيم أفضل للنفايات، حتى لا تتحول زيادة أعداد الزوار إلى ضغط على البيئة، ويمكن أن تستفيد جرش كذلك من قربها من عمان وإربد ومحافظات أخرى عبر استهداف رحلات نهاية الأسبوع، لأن السياحة الشتوية لا تحتاج بالضرورة إلى زائر يقيم أسبوعا كاملا، يكفي أن تصبح المحافظة وجهة ثابتة للعائلة التي تبحث كل نهاية أسبوع عن تجربة جديدة.
وأضاف عتمة أن المدينة الأثرية لا تتوقف عن جذب الزائر في الشتاء، والغابة لا تفقد جمالها عندما تهطل الأمطار، وموسم الزيتون يحمل قصة وتجربة، والمزارع قادرة على تقديم نمط مختلف من السياحة، والطعام الريفي يمكن أن يكون سببا للزيارة، والحرف والمنتجات المحلية يمكن أن تتحول إلى تجربة، والمشروعات السياحية الجديدة يمكن أن توفر الإقامة والخدمات.

