لَدْغَةُ حَيَّــــــــــــــةِ .. وَقُبْلَةُ فَاسِدِ..! // الكاتب بكر عبد الحافظ الخليفات

 

 

كانوا جلوساً في مناسبةٍ تستدعي الفرح والبهجة، وسار الحال على هذا المنوال حتى قرع جرس الباب، وإذ به ضيف جديد. لا شك ساور الحضور بأنه إنسان، لكن أيّ إنسان يكون هذا الإنسان مع اختلاف ما ساور فكر الحضور. وما هي إلا هنيهة حتى اندفع الباب إلى الأمام تلبيةً لرشقات كلمات: “تفضل، خوش، فوت”. فإذا بالوجه مألوف يطابق قسمات فلان وليس علان. وقد كان فلان هذا فنان حكايات وبهلوان في الانتقال من حكاية إلى حكاية دون الحاجة إلى الاستراحة، لكن حكايته هذه المرة غلبت تحيته، وجاءت مغايرة عن حكاياته السابقة، ولم ترضخ الحضور على عدم مقاطعته.دخل فلان وقسمات وجهه تتغير وتتبدل مع كلماته، قال وبتكرار: “حية.. حية.. حية! حية في الطريق كبيرة.. كبيرة جداً وشكلها معمرة وذات قرون!”. ثم تهافتت التساؤلات وراء التساؤلات: أين؟ أين؟ أفي كرم عباس أم في سنسال أبي فراس؟ ماذا فعلتْ؟ هل نلتَ منها وقتلتها أم هربت وتوارت؟ والظاهر أن الإجابة كانت حاضرة ولا تحتاج إلى تبيان ولا سؤال مع لهاث وتسارع دقات قلب فلان. لا ضير؛ سُكب فنجان القهوة لفلان ورشفه بيدٍ مرتجفة، وألحقه بكأس ماء ممتلئ، لا من عطش بل من هول الرعبة التي داهمته في الطريق. ثم بعدها بدأ كل شخص في الجلسة يسرد قصته مع حية داهمته، وتعددت الروايات وتشابهت النهايات بهروب الحيّات. واستمرت الحكايات حتى خيم النعاس على الجميع فاستأذنوا المعزب بالمغادرة. وفي اليوم التالي كان جمع تلك السهرة متعبين ونعسين؛ فالحية لم تغب عن فكرهم بل زارتهم في منامهم، فمنهم من لدغته ومنهم من لاذت عنه، هكذا كانت في رؤياهم، والآن هم يبحثون عن مفسر أحلام يفسر لهم أحلامهم.

وهنا لا تنتهي القصة، وستبقى مكرورة في بعض السهرات القادمة.. حالها حال تفشي فساد العباد في المجتمعات…

أجل.. فقد نام الجميع ليلتها متعبين، فزارتهم الأفاعي في منامهم لدغاً وترهيباً، حتى باتوا يبحثون في الصباح عن مفسّر أحلام يفسر لهم أحلامهم… ولم يكن البحث عن مفسر الأحلام بالأمر الهين في بلادٍ باتت الرؤى فيها كوابيس جماعية، لكنهم وجدوا ضالتهم أخيراً. فتوجّهوا لشيخٍ وقور، تجاعيد جبهته تحكي تاريخاً ومعرفة، ولحيته البيضاء تغطي ذقنه ورقبته. جلس الحضور المرعوبون أمامه فقصّوا عليه أهوال حية الطريق ذات القرون، فتنحنح وقال بحكمة بالغة: “إن الحية في المنام ليست مجرد زاحفٍ يبحث عن جحر أو فريسة. إن الحية في زمانكم هذا هي (الواسطة، والمحسوبية) التي تبتلع حقوقكم وتستثني أولادكم في سلم التعيين، وهي (الرشوة) التي تغير جلدها لتسيير المعاملات، وهي الفساد المستشري الذي إن قطعتم ذيله نبتت له مئة رأس جديدة، هي ذلك الفساد المالي والإداري الذي زلزل فرص الاستثمار، وهي بأم عينها التنفيعات وتدوير المناصب بين الأحباب …”.

استيقظ الحضور من دهشتهم على وقع هذه الكلمات، وتبادلوا نظراتٍ حيرى، كأنهم اكتشفوا فجأة أنهم لا يعيشون في قرى ومدن، بل في “وكر أفاعٍ” محمي ومرخص.

وفي السهرة التالية، عند ذات المعزب، لم يتغير المشهد كثيراً. كان الجمع جالساً، والقهوة تدور، والحديث هذه المرة لم يكن عن أفاعي البراري، بل عن أفاعي المكاتب والتنفيعات. اندفع فلانٌ نفسه -بهلوان الحكايات- وبدأ يسرد مغامرته الجديدة، ليس في “سنسال أبي فراس”، بل في أروقة إحدى المكاتب. قال وعيناه تتسعان من الهول: “تخيلوا.. ذهبت لأستخرج ورقة بسيطة، فإذا بحيةٍ متلونة تجلس خلف المكتب، لها قرون من الأختام، قالت لي مرة: معاملتك ناقصة، ومرة أخرى: السيستم معطل.. ولم يعد السيستم إلى الحياة إلا بعد أن ابتلعت مني الحية ما ابتلعت”. وتوالت الحكايات عن حية ابتلعت ميزانية الطريق فبقي ترابياً عصياً على المسير، وأخرى نامت عن الرقابة حتى ضاع المال العام، والنتيجة دائماً: الفساد ينجو، والمفسدون يلوذون بالفرار كالحيّات الخفيفة…. وهكذا.. تحولت الحية من حية عادية إلى حية أسطورية متلونة…ثم مع طول الجلسة أوجب الوقت فضّ السهرة، لتنفضّ معها أحلام التغيير… وستُسدل الستارة وسيبقى الجمع ينام ويستيقظ على لدغات متتالية، تارة في لقمة العيش وتارة في كرامة المعاملة. وستبقى تلك “الحية” الأسطورية حيةً، ترزق وتتنقل وقتما تشاء وكيفما تشاء، تغير جلدها من “عمولة” إلى “هدية”، ومن “شطارة” إلى “فهلوة”. وستبقى تمشي على بطنها ناعمة الملمس، شديدة السمية، تمتص قوت اليوم والغد، وسيبقى الفساد ماثلاً، شامخاً، فوق رؤوس العباد.. كأنه قدرٌ مكتوب، أو ضيفٌ ثقيل يرفض المغادرة، بينما العباد يملأون الفناجين، ويرتشفون القهوة بقلوب واجفة، منتظرين الصدمة التالية في “السهرة” القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة