معالي الوزير… الإجبار لا يصنع تعليماً، والتراجع بالقطعة لا يصنع إصلاحاً..!

د. مفضي المومني
معالي الوزير…
التدخل الزائد وصاية… والوصاية على القاصرين… !، لا على الاهالي والطلبة…العارفين، واغتصاب حقوقهم في الإختيار والطموح لمستقبلهم…!، عندما تحول دور سلطات التعليم والوزير من إدارة وتنظيم التعليم إلى إدارة الطلبة والاهالي والوصاية عليهم…!، فبالله عليكم اقنعونا كيف قررتم حدود المعدلات للطب والهندسة وغيرها داخلياً وخارجياً…؟ والكثير ممن يتسنمون سلطة التعليم والإدارات العامة.. ووزراء كانت معدلاتهم في التوجيهي خمسينية..!.
كل ما يحصل إرتجالي وغير مبني على أسس علمية… أو تربوية، كلما برزت قضية…، بدون دراسة نرتجل وصاية جديدة… وتحديدات غير علمية او تربوية صحيحة…(فوزارة التعليم ليست وزارة تموين..!) وفي النهاية ضربنا عرض الحائط كل نظريات التعليم..وليبرالية التعلم، لنخرج كل يوم بفرضيات ومحددات وكأنكم فقط من يعرف ومن يمتلك الحقيقة…!، ولا تلتفتون إلى أن الشعب مثقف وطلبتنا لديهم الوعي… وأنتم لا تصدعون إلا لنرجسية قراراتكم… في قرارات وطنية تمس الجميع…وكأن الأمر محض عناد ومكابرة..وإثبات ذات.. !.
لنكن صريحين؛ ما يجري في ملف التوجيهي لم يعد مجرد تطوير لنظام امتحان الثانوية العامة، بل أصبح حالة من التجريب والتراجع وإعادة التموضع، يدفع ثمنها الطلبة وأسرهم، فيما تتوالى التصريحات والتراجعات… التي توحي بأن بعض القناعات التي دافعتم عنها سابقاً بدأت تتغير…ولو بشكل مبطن..! ومثال ذلك:
1- صرحت معاليك أن طالب الحادي عشر يستطيع تقديم الاربع مواد في نفس العام او يؤجله للثاني عشر..!
وهذا تراجع مبطن عن التوجيهي سنتين… ولكنه غير واضح ومربك..! وهل سيكون على فصل او فصلين.. ؟.
2- مقاعد الطب والتقنين وتراجعتم عنها… مع أن التراجع لن يحل المشكلة…!. ونفس اسبابكم هي ذاتها للهندسة وبقية التخصصات… لكنها لا تظهر في حساباتكم..!.
3- الرياضيات… والمواد العلمية… وتصريحكم ان طلبة الحادي عشر والثاني عشر سيدرسون نفس المواد وأضفت حرفياً(مثل العلمي..!)… إذا ما زال هاجسكم النظام السابق… ولا تريدون أن تظهروا خطأكم… (فكل تعديلاتكم وتراجعاتكم تؤول حكما وفعلاً للنظام السابق علمي ادبي… الخ).
4- نسب ال 30% وتصويرها بطولة… أين حرية الإختيار للطالب إذا كنت تجبره من البداية بسقف الحقل… وفيما بعد تحدده بحقل يحدد ويقلص ويحجب تعدد خياراته..!.
وهل قارنتم بدراسة علمية من الافضل بين النظام السابق للتوجيهي ونظامكم ابو المشاكل..!. وهل كنا بحاجة لتطوير شكلي غير منتج… لنظام سابق راسخ كان يحقق الكثير… دون وجع راس وتصريحات ووصاية لا تنتهي..!.
5- التغيير الجديد جداً… التوجيهي 3 سنوات… هو تغيير في هيكل النظام التعليمي واظنه بحاجة لقرار من المجلس لا بتصريح وزير… وفي النهاية لا يغير شيئاً… عدا عن إخافة الطلبة والناس… واضطراركم التوضيح والتبرير على عجل..!.
6- اخر التحولات العظيمة… القضاء المبرم على التوجيهي(آخر حصون التعليم الراسخة في بلدنا) كمسمى..! واستبداله بالامتحان العام…! والنجاح المدرسي… وكان موجوداً… والحقيقة أن التوجيهي خرج من الباب ليعود من الشباك… وفي الحالتين هو الاساس للقبول الجامعي داخلياً وخارجياً… !، فما الجديد بالله عليكم..! ؟ وللعلم إمتحان التوجيهي هو امتحان تحصيلي للمرحلة الثانوية أو المدرسية كاملة(12 عام)… وعدتم معاليكم وقلتم أنه أي الأمتحان العام سيكون في مباحث الحادي عشر والثاني عشر… فلم يختلف عن كونه امتحان مرحله إلا في كلامكم… وتسخيره كأنه قرار جديد ليكون امتحان قبول… هو تكرار لما كان… مع أنه تربوياً إمتحان القبول يختلف عن الإمتحان التحصيلي… ويتضمن الاستعدادات والميول والاتجاهات والقدرات… والواقع لا جديد فيما صرحتم… غير تسميات مصطنعة لنقول طورنا…!.
7- البيتك… لو ضخت الملايين التي دُفعت لبيرسون لتطوير التعليم المهني القائم والراسخ اصلاً… (والذي كان بحاجة لاهتمام حكومي وتمويل وتطوير فقط..! لا لتسليمه لشركة..! )
لاصبح لدينا تعليم مهني خمس نجوم… لكن وراء الأكمة ما وراءها..!.
معالي الوزير… والمجلس
لقد كبر الرتق على الراتق… وأعتقد أن تغيير القيادات التعليمية هو الحل…!
وكذلك آنياً التراجع عن الخطأ ليس عيباً، بل قد يكون فضيلة وشجاعة لن يشكركم أحد عليها لأنها من صنعكم..! .
لكن المشكلة أن يكون التراجع بالقطعة، وأن يتغير النظام المفصلي على مراحل، وبعد أن يكون الطلبة قد دخلوا في تفاصيله، وبنت الأسر والمدارس والجامعات حساباتها على أساسه.
معالي الوزير…
فلسفة التعليم يجب أن لا تغيب…
الإجبار لا يصنع تعليماً، والوصاية لا تصنع جيلاً قادراً على الاختيار.
حين تتدخل الدولة في خيارات الطلبة بصورة محبطة وزائدة، وتضيّق مساراتهم في سن مبكرة، فنحن لا نتحدث عن تنظيم العملية التعليمية فقط، بل عن شكل من أشكال الوصاية التي تلغي حرية الخيار.
والوصاية مكانها على القاصرين كما اسلفت، أما الطلبة وأسرهم فهم شركاء في رسم مستقبلهم، ومن حقهم أن يعرفوا لماذا تتخذ القرارات، وكيف اتُّخذت، وما نتائجها، وما البدائل المتاحة أمامهم.
والواضح أنهم في حيرة ولا يعلمون من أين تأتي القرارات… وهل الوزير هو صانع التعليم الاوحد..!.
لقد قلنا منذ البداية إن نظام
الحقول، بصورته التي طُبِّق بها، سيؤدي إلى تضييق خيارات الطلبة وتشتتها واستحالتها أحياناً، وربط الطالب مبكراً بمسار قد يكتشف لاحقاً أنه لا يناسبه…ولا يوجد بديل إلا إضاعة سنوات من عمره لإعادة مواد أوالدمج حسب قراراتكم..!.
واليوم، يبدو أن الواقع بدأ يفرض مراجعة بعض هذه الأفكار.
تراجع مبطن عن (توجيهي السنتين) ؟
ما نسمعه من تصريحات أخيرة لا يمكن تجاهله.
هناك حديث عن مواد مشتركة يدرسها طلبة المسارات المختلفة، ثم يحدد طلبة الصحي والهندسي والتكنولوجيا المواد المرتبطة بمساراتهم في مرحلة لاحقة.
وهنا السؤال البسيط:
إذا كان طالب الصحي والهندسي والتكنولوجيا يستطيع أن يدرس قاعدة مشتركة في الحادي عشر، ثم يحدد لاحقاً المواد التي يحتاجها لمساره، فلماذا لا نعطيه مساحة أوسع للاختيار من البداية؟
ولماذا لا نعيد التفكير جذرياً في الفكرة التي قامت عليها (الحقول) بدلاً من الاستمرار في ترقيعها؟
بل إن الحديث عن العودة إلى مساحات أقرب إلى العلمي والأدبي، أو إعادة توزيع المواد والمسارات، يعني عملياً أن بعض مرتكزات النظام الذي قيل لنا إنه يمثل نقلة نوعية أصبحت هي نفسها موضع مراجعة… وتؤول للنظام السابق.
وهنا لا بد من السؤال:
هل نحن أمام إصلاح جديد، أم أمام تراجع عن إصلاح سابق؟
إذا كان تراجعاً، فليكن واضحاً وشجاعاً… ! وأن يدفع الثمن من أخطأ…!.
في الواقع وبالعامية:
كركبتم الطلبة والأهالي والجامعات … ثم بدأتم التراجع! ووصل العدد إلي 11 تراجع في الفترة القصيرة الماضية و(الحبل على الجرار..! ).
وهذا كله لا يبعث على الاطمئنان أو الثقة بكم… وأعتقد أن الحل تغيير كل منظومة صنع القرار الحالية… وأظنكم قرأتم ذلك في سيل احتجاجات الناس على تطويركم المصطنع…! وطلبهم استقالتكم أو إقالتكم..!.
التعليم ليس ملفاً إدارياً أو سلطوياً (معانده) لصاحب سلطة… التعليم فلسفة وإدارة وطنية مؤسسية جمعية لا تخضع لمزاج وزير أو مستشارين موظفين مصلحيين… وليسوا خبراء…!.
التوجيهي قضية وطنية، والطالب ليس حقل تجارب.
كل تغيير في التوجيهي يعني سنوات من الدراسة والتخطيط والقلق والتوقعات…ومبرراتكم لم تقنع أحداً… من الواقع.
وعندما تغيرون كل يوم قواعد المسار، فإنها لا تغير ورقة امتحان عابرة؛ بل تغير خيارات جامعية ومستقبلية لمئات الآلاف من الطلبة.
لذلك فإن التراجع بعد اكتشاف الخطأ مطلوب، لكن المطلوب أن يكون تراجعاً مؤسسياً كاملاً، لا معالجات بالقطعة. .!.
والسؤال الكبير : أين كانت الدراسات قبل القرار؟
أليس من المفترض أن تسبق القرارات المفصلية دراسات عميقة لأثارها…وقابليتها للتطبيق… ومع معطياتنا وثقافتنا… ومدارسنا وجامعاتنا…!.
التعليم لا يدار باستبدال قرارً بقرار تحت ضغط اللحظة والإحتجاجات.
نريد سياسة تعليمية طويلة الأمد.
ثم من يحكم النظام التعليمي: التصريح أم المؤسسة؟
وهنا أصل إلى نقطة أخطر.
التغييرات التي يجري الحديث عنها ليست تعديلات بسيطة.
نحن نتحدث عن تغييرات مفصلية في نظام الثانوية العامة، والحقول، والمواد، والمسارات، وربما فلسفة الامتحان نفسها.
وهذه التغييرات لا ينبغي أن تبقى في دائرة التصريحات الإعلامية…والإطلالات التلفزيونية (كل ما دق الكوز بالجره..!)
فبحسب ما هو معلن، فإن مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لم يجتمع ويعلن إقرار هذه التغييرات… فهل اتخذت على عجل من الوزير ومن هم حوله.. ؟
وهنا يصبح السؤال مشروعاً لأننا نسمع أنصاف حلول :
فهل ما نسمعه قرارات نهائية؟
أم توجهات وأفكار قيد الدراسة؟
أم تصريحات تمهيدية لقرارات ستصدر لاحقاً؟
الناس بحاجة إلى إجابات واضحة.
لأن الدولة والتعليم لا تُدار بالتصريحات، وإنما بالمؤسسات والقرارات التي تصدر عنها وفق الأصول الراسخة.
وإذا كان النظام يحتاج إلى تغيير، فليكن ذلك من خلال المؤسسة، وبالدراسة، وبالحوار، وبالوضوح، لا عبر رسائل متفرقة تصل إلى الناس من خلال التصريحات المتلاحقة… إذ اصبح الوزير والناطق والتوجيهي والحقول (ترند…) وكأننا نبحث عن الشهرة…!.
الإصلاح ليس معركة لإثبات من كان على حق أو لا… !
ولا معركة للدفاع عن قرار لمجرد أنه صدر…!.
ولا أحد يطالب الوزارة بالتراجع لمجرد أن هناك اعتراضاً شعبياً.
المطلوب شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:
أن تنتصروا لمصلحة الطالب، لا للقراركم الخاطئ… وبالتالي سيكون المنتصر هو الوطن.
فالوزير ليس أسيراً لقرار سابق، وقراراته ليست تابوهات محرم لمسها…! والمسؤول الشجاع هو الذي يقول: أخطأنا في هذه النقطة، ونصححها… ولم نسمعها لحينه لا من الوزير ولا من الناطق.
أما الاستمرار في الدفاع عن الخطأ، أو تجميله، أو الالتفاف عليه، وعمليات الترقيع والتراجع المتلاحقة فلا تصلحه ولا تصنع تطويراً يعتد به…!.
اليوم الطالب لا يعرف على وجه الدقة ماذا سيبقى من النظام، وماذا سيتغير…انعدمت الثقة وساد الشك وعدم اليقين…!.
والأسرة لا تعرف كيف تخطط.
والمدرسة لا تعرف أي فلسفة تستعد لها.
والجامعة لا تعرف تماماً شكل المخرجات التي ستصل إليها مستقبلاً.
وهذه ليست بيئة إصلاح تعليمي.
الأردن يستحق نظاماً تعليمياً مستقراً، واضحاً، عادلاً، يوسع خيارات أبنائه ولا يضيّقها، ويصنع المستقبل لا أن يبقى مشغولاً بإصلاح آثار قرارات غير مروسة وخاطئة… تتكئ على قرارات لجنة يصرح بعض اعضائها أنهم وضعوا سياسات… لا تفاصيل مصطنعة.
هذه إدارة أخطاء، إذا لم تتوقف، ستنتج أخطاء أخرى..!.
ولا يجوز أن تتحول الوزارة إلى إدارة يومية لردود الأفعال…!.
الخلاصة: نريد تراجعاً كلياً شجاعاً… لا تراجعاً بالقطعة. ..!
أو افسحوا المجال لغيركم فبلدنا غني بالخبراء والعارفين…وينتظرون إتاحة الفرصة لهم…بعد أن حجبتموها طويلاً…
فأنتم لستم قدرنا…!.
حمى الله الاردن.

