من يراقب المراقِب؟ سحوبات الجوائز في الأردن تحت الاختبار // الكاتب يزيد كمال المومني

=

بعد الحديث عن تلاعب في نتائج بعض السحوبات.. هل ما زالت آليات الرقابة الرسمية كافية لحماية المواطن؟

‎لم تعد قصة السحوبات والمسابقات التي تنظمها الشركات الخاصة في الأردن مجرد وسيلة ترويجية لطيفة تنتهي بإعلان اسم فائز وتسليمه جائزة.

‎بعد ما أثير خلال الأيام الماضية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول شبهات تلاعب في نتائج بعض السحوبات، أصبح من حق المواطن أن يسأل بصوت مرتفع:

‎من يراقب هذه السحوبات؟ وكيف تتم الرقابة؟ وهل تكفي الإجراءات الحالية لضمان أن السحب عشوائي ونزيه فعلًا؟

‎السؤال ليس اتهامًا لأحد، وليس حكمًا مسبقًا على أي شركة. لكنه سؤال مشروع تفرضه طبيعة القضية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسابقات يشارك فيها آلاف المواطنين، ويُطلب منهم شراء منتجات أو استخدام خدمات أو تقديم بياناتهم الشخصية مقابل فرصة للفوز بجائزة.

وزارة الصناعة والتجارة لديها أصلًا دور رقابي وتنظيمي في الحملات الترويجية والجوائز والسحوبات، وتشير خدمات الوزارة إلى وجود إجراءات للموافقة على الحملات والإشراف على عمليات السحب. لكن هنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

‎هل المقصود بالرقابة مجرد حضور موظف أثناء إجراء السحب؟ أم أن الرقابة تشمل كل العملية من بدايتها إلى نهايتها؟

‎لأن السحب العشوائي لا يبدأ لحظة اختيار اسم الفائز.

 

‎أين تبدأ الرقابة وأين تنتهي؟

‎الرقابة الحقيقية يجب أن تبدأ قبل السحب بكثير.

‎من يضمن أن قاعدة بيانات المشاركين لم يتم تعديلها؟

‎من يضمن عدم حذف مشاركات أو إضافة مشاركات جديدة بعد انتهاء فترة الاشتراك؟

‎من يضمن أن البرنامج الإلكتروني المستخدم في اختيار الفائز غير قابل للتلاعب؟

‎من يتحقق من أن جميع المشاركين لديهم الفرصة نفسها؟

‎ومن يملك صلاحية الوصول إلى البيانات قبل السحب؟

‎هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية اليوم مع انتقال كثير من المسابقات من الصندوق التقليدي و«قصاصات الورق» إلى التطبيقات والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية.

‎في السابق كان المواطن يرى عملية السحب أمامه.

‎أما اليوم، فقد تجري العملية الحقيقية داخل نظام إلكتروني لا يراه أحد.

‎وهنا تحديدًا تصبح الرقابة التقليدية غير كافية.

‎لا نريد «ثقة».. نريد آلية يمكن التحقق منها

‎المواطن لا يجب أن يُطلب منه أن يثق بالشركة.

‎ولا يجب أن يُطلب منه أيضًا أن يثق بالجهة الرقابية دون أن يعرف كيف تتم الرقابة.

‎في العالم الرقمي، الثقة الحقيقية تأتي من إمكانية التدقيق والتحقق.

‎لماذا لا تكون هناك آلية موحدة وشفافة للسحوبات؟

‎لماذا لا يتم توثيق عملية السحب كاملة؟

‎لماذا لا تعلن الشركات عدد المشاركين المؤهلين للسحب؟

‎لماذا لا يتم تثبيت قاعدة بيانات المشاركين إلكترونيًا قبل السحب بحيث يصبح تعديلها مستحيلًا أو قابلًا للكشف؟

‎ولماذا لا يكون هناك سجل واضح يبين متى أغلقت عملية الاشتراك، وكيف جرى اختيار الفائز، ومتى تم تسليمه الجائزة؟

‎هذه ليست رفاهية تقنية.

‎هذه هي أبسط متطلبات الشفافية عندما تكون هناك جوائز وقيمة مالية وتسويقية كبيرة وراء المسابقة.

‎وإذا ثبت التلاعب؟

‎هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة.

إذا أثبتت التحقيقات في أي حالة وجود تلاعب بنتائج سحب، فلا ينبغي أن تكون المعالجة مجرد إعادة السحب.

لأن القضية لا تتعلق بجائزة واحدة فقط.

هناك آلاف الأشخاص الذين شاركوا، وربما اشتروا منتجًا أو استخدموا خدمة أو قدموا بياناتهم لأنهم اعتقدوا أن لديهم فرصة عادلة للفوز.

إذا كانت النتيجة قد تم التلاعب بها، فإن الضرر الحقيقي هو الشفافية و ضرب ثقة المواطن.

ولهذا فإن أي مخالفة مثبتة يجب أن تواجه بإجراءات رادعة وشفافة، وأن يعرف الجمهور ماذا حدث وما الإجراء الذي اتُخذ، دون انتهاك حقوق الأطراف أو إصدار أحكام قبل انتهاء التحقيق

‎أسئلة إلى وزارة الصناعة والتجارة

بعد الضجة التي أثيرت مؤخرًا، ربما آن الأوان لأن تخرج الوزارة من إطار البيانات العامة إلى إجابات واضحة ومحددة

كم عدد السحوبات التي أشرفت عليها الوزارة خلال السنوات الأخيرة؟

‎كم شكوى وصلت إليها بشأن نزاهة السحوبات؟

‎كم مخالفة تم ضبطها؟

‎هل سبق أن أُعيدت سحوبات بسبب وجود مخالفات أو خلل في الإجراءات؟

‎هل تقوم الوزارة بفحص الأنظمة الإلكترونية التي تستخدمها الشركات في اختيار الفائزين؟

‎هل تستطيع الوزارة التأكد تقنيًا من أن قاعدة بيانات المشاركين لم يتم تعديلها بعد إغلاق التسجيل؟

‎وهل يوجد سجل إلكتروني مستقل لدى الوزارة يوثق كل عملية سحب منذ لحظة اعتماد المسابقة وحتى تسليم الجائزة؟

‎والسؤال الأهم:

‎إذا كانت الوزارة تراقب السحب، فمن يراقب آلية الرقابة نفسها؟

‎لا يكفي أن نكتشف المشكلة بعد وقوعها

الرقابة الناجحة ليست تلك التي تصل بعد وقوع المشكلة

الرقابة الناجحة هي التي تجعل التلاعب صعبًا أو مستحيلًا من الأساس.

وهذا يتطلب تحديث التشريعات والتعليمات بما يتناسب مع الواقع الرقمي، وإدخال أدوات تقنية حقيقية في عملية الإشراف، وليس الاكتفاء بإجراءات وضعت في زمن كانت فيه المسابقات تعتمد على صناديق وأوراق وأسماء مكتوبة يدويًا

نحن في عام 2026، والشركات تستطيع إدارة آلاف أو ملايين المشاركات إلكترونيًا في ثوانٍ.

فهل ما زالت الدولة تدير الرقابة على هذه العملية بالأدوات نفسها التي كانت مناسبة قبل سنوات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه مشكلة

وإذا كانت الإجابة لا، فمن حق المواطن أن يعرف ما هي الأدوات الجديدة التي تحميه.

القضية أكبر من سحب و جائزة

قد يرى البعض أن الموضوع لا يستحق كل هذه الضجة: شركة تنظم مسابقة، شخص يفوز، وانتهى الأمر.

لكن الحقيقة مختلفة.

هذه المسابقات أصبحت جزءًا من النشاط التجاري والتسويقي، وأحيانًا تستند إلى إنفاق المستهلك أو مشاركته أو بياناته.

لذلك فإن نزاهتها ليست شأنًا خاصًا بين الشركة والفائز.

إنها شأن عام يتعلق بثقة المستهلك بالسوق وبالجهة التي يفترض أن تحميه.

وإذا فقد المواطن ثقته بأن المسابقة عادلة، فلن يعود السؤال: من فاز؟

بل سيصبح السؤال: هل كان هناك سحب اصلاً ؟

وهذا أخطر بكثير.

المطلوب ليس إلغاء المسابقات.. بل تنظيمها

‎لا أحد يطالب بمنع الشركات من تقديم الجوائز أو إطلاق الحملات الترويجية.

‎المطلوب أبسط من ذلك:

‎قواعد واضحة، رقابة حقيقية، شفافية، توثيق، وعقوبات رادعة عند ثبوت المخالفة.

‎المطلوب أن يعرف المواطن أن مشاركته لها قيمة، وأن فرصته ليست وهمًا تسويقيًا.

‎والمطلوب من وزارة الصناعة والتجارة أن تتعامل مع ما أثير مؤخرًا باعتباره فرصة لمراجعة منظومة الرقابة بالكامل، لا مجرد حادثة إعلامية تنتهي بانتهاء الأخبار.

‎ النهاية ليست سيارة أو هاتفًا أو مبلغًا ماليًا

2 تعليقات

  1. ضيف الله يقول

    كلام سليم

  2. كيكو يقول

    كلام صحيح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة