سيطرة الحوثيين على باب المندب.. انتصار استراتيجي حاسم أم فخ إقليمي محكم ؟

مهدي مبارك عبدالله
لم تعد معركة الساحل الغربي اليمني مجرد جولة جديدة في حرب استنزفت البلاد التي امتدت لأكثر من عقد وان سيطرة جماعة الحوثيين مؤخرا على المخا ومناطق واسعة من الساحل وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون وما بهما من مواقع وجزر استراتيجية تنقل الصراع اليمني إلى مستوى مختلف تماما ًلنصبح أمام تطور عسكري يلامس واحداً من أخطر مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم يضع الحوثيين للمرة الأولى أمام فرصة امتلاك نفوذ ميداني مباشر على الممر الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
الهجوم الحوثي الكاسح الذي بدأ على محاور حيس والخوخة والوازعية والكدحة لم يكن مجرد اندفاع عسكري محدود أدى خلال أيام قليلة إلى تراجع القوات الحكومية وإعادة تموضعها وانتهى بوصول الحوثيين إلى المخا وذوباب وباب المندب وجزيرة ميون ومواقع أخرى على الساحل والجزر وبذلك تحولت الجماعة من قوة تؤثر في خطوط الملاحة من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى قوة تمتلك وجوداً جغرافياً وتموضعا عسكريا ملاصقاً للممر البحري نفسه وهذه النقلة النوعية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مكسب تكتيكي عابر .
أهمية هذا التطور السريع تكمن في أن باب المندب ليس نقطة عسكرية يمنية عادية بل هو أحد أهم الممرات البحرية في العالم والذي تعبر من خلاله حركة واسعة من التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا ومن يستطيع التأثير في أمنه لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاقه حتى يمتلك ورقة ضغط هائلة بل ان مجرد القدرة على تهديد الملاحة أو رفع مستوى المخاطر الأمنية فيه كفيلة برفع تكاليف التأمين والشحن وإعادة توجيه السفن وإرباك الأسواق وإضافة ضغط جديد على الاقتصاد العالمي المنهك .
بالاستناد الى هذا التصور يمكن فهم لماذا يمثل وصول الحوثيين إلى باب المندب انتصاراً استراتيجياً كبيراً في الحسابات اليمنية والإقليمية خاصة بعدما باتت الجماعة تمتلك ورقة تفاوضية لم تكن متاحة لها بهذه القوة من قبل كما أن سيطرتها على الشريط الساحلي جنوب الحديدة يمنحها قدرة أكبر على عزل خصومها وتقليص هامش حركة القوات الحكومية وحلفائها والضغط على تعز والتحكم بمنافذ وطرق الإمداد المهمة أما جزيرة ميون فهي تكتسب قيمة إضافية لأنها تقع في قلب المضيق وتطل مباشرة على الممرات البحرية التي تعبرها السفن الدولية .
عمليا قد يكون هذا الاختبار الاول والأصعب والاهم أمام الحوثيين لان السيطرة على مدينة أو موقع شيء والاحتفاظ بشريط ساحلي طويل وجزر ومواقع مكشوفة أمام الطيران والمراقبة البحرية شيء آخر وإذا تمكنت القوات الحكومية من توحيد قيادتها وتجاوز الانقسامات التي ساهمت في الانهيار السريع للجبهة الساحلية فإن المعركة قد تتحول من هجوم حوثي ناجح إلى حرب استنزاف مكلفة للغاية .
ما يتوجب فهمه بدقة انه بالرغم من حالة البرود الحالية في الموقف الأمريكي وإعلان الرئيس ترامب عدم رغبته في التورط العسكري المباشر الا إن استمرت التهديدات الحوثية وارتفاع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية قد يغيران هذه الحسابات بين ليلة وضحاها كما إن أي استهداف حوثي غير مدروس أو انزلاق نحو إغلاق كامل للمضيق سيعيد تفعيل سيناريوهات التدخل العسكري الدولي الشامل عبر توجيه ضربات استراتيجية ساحقة تستهدف البنية التحتية العسكرية للجماعة وتدمر قوتها البحرية والصاروخية التي تباهي بها .
في المقابل ايران ليست بعيدة عما يجري حيث تجد نفسها أمام حسابات معقدة وحرجة بين الرغبة في استخدام الورقة الحوثية للضغط على واشنطن والغرب لرفع الحصار الاقتصادي عنها وبين الخوف من فقدان هذه الورقة الثمينة بالكامل في حال تفجر صراع شامل لهذا فهي تسعى جاهدة عبر خبرائها من فيلق القدس ومستشاريها العسكريين إلى إدارة التصعيد في اليمن بشكل محسوب ومدروس يضمن بقاء التهديد قائماً دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكبير التي قد تدمر القدرات البحرية للحوثيين حيث يعكس هذا التوازن الحذر حالة التباين الخفي داخل محور المقاومة بين طموحات الحوثيين المحلية في التوسع والهيمنة وبين الرؤية الاستراتيجية الشاملة لإيران التي تنظر إلى اليمن كجبهة إسناد ومناورة متقدمة وليست ساحة للمواجهة الانتحارية الأخيرة .
للحقيقة يمكننا القول انه إذا ما اكتفى الحوثيون بتثبيت نفوذهم واستخدام المضيق كورقة تفاوضية مع تجنب استهداف الملاحة الدولية فقد يستطيعون تحويل المكسب العسكري إلى ورقة سياسية مؤثرة وأما إذا ما ذهبوا إلى إغلاق المضيق أو تهديد السفن بصورة مباشرة فإنهم قد يوحدون خصومهم ضدهم ويمنحون القوى الدولية مبرراً واسعاً للتدخل ومهاجمتهم بقوة مشتركة كما أن هنالك عدة دول ترتبط مصالحها مباشرة بأمن البحر الأحمر ولن تستطيع النظر طويلا إلى التطورات المتسارعة والخطيرة باعتبارها شأناً يمنياً داخلياً لا يعنيها .
بعض المحللين والمراقبين يرون في النجاح الحوثي في فرض واقع عسكري جديد على مضيق باب المندب مكسباً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ الجماعة حيث يمنحها سلطة حقيقية للإشراف على نحو ثلث حركة الحاويات العالمية وسبعة بالمئة من إمدادات النفط المنقولة بحراً كما يتيح هذا التموضع الجغرافي الفريد لسلطة صنعاء تحويل المضيق الدولي إلى ورقة ضغط ومساومة سياسية واقتصادية بالغة الأثر لفرض شروطها في أي مفاوضات سلام مستقبلية ومحاولة الحصول على اعتراف دولي بوجودها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه مما يجعلهم لاعباً رئيسياً في صياغة أمن الطاقة العالمي ورسم ملامح التوازنات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط .
على الطرف الاخر يرى كثيرين ان هذا التوسع العسكري السريع يحمل في طياته بذور فخ إقليمي شديد الخطورة قد يؤدي إلى محاصرة الجماعة وإهدار مكاسبها السياسية تحت وطأة الضغوط الدولية المتزايدة وردود الفعل العنيفة من الدول المتضررة لان تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى منطقة عسكرية مغلقة ومستهدفة يضع الحوثيين في مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية الكبرى وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية التي ترى في تهديد الملاحة ببوابة البحر الأحمر الجنوبية خطراً وجودياً يهدد عوائد قناة السويس والأمن القومي المصري بشكل مباشر حيث لن تقف القاهرة والدول المشاطئة للبحر الأحمر مكتوفة الأيدي أمام تحول هذا الشريان الحيوي إلى بحيرة إيرانية خالصة وهو ما يعزز فرص تشكيل تحالف عسكري عربي وإقليمي واسع لشن عمليات عسكرية مضادة لكسر الحصار الحوثي وإعادة فرض التوازن بالقوة المسلحة.
معظم المؤشرات والقراءات الميدانية والجيوسياسية ترجح كفة السقوط في الفخ الإقليمي وتعتبره الأقرب للتحقق على المدى المتوسط والبعيد مقارنة بمكاسب السيطرة المؤقتة والخاطفة التي حققها الحوثيون مؤخراً لا سيما إن مراجعة التاريخ العسكري والسياسي لمنطقة جنوب البحر الأحمر يبين لنا أن القوى الدولية والإقليمية لا يمكن أن تسمح لطرف راديكالي واحد بالتحكم المطلق بأهم ممرات التجارة العالمية دون دفع ثمن باهظ وكارثي وإن حالة النشوة العسكرية التي تعيشها جماعة الحوثيين اليوم قد تعمي أبصارها عن رؤية التعقيدات الدولية المترتبة على هذه الخطوة الجريئة وتجعلها تتجاهل حقيقة أن الجغرافيا التي تمنح القوة هي ذاتها الجغرافيا التي قد تتحول إلى مقبرة للاستراتيجيات الطموحة .
وفق رؤيتنا الخاصة وبالتدقيق التحليلي في تطور الاحداث نجد انه من السابق لأوانه القول بإن الحوثيين قد حققوا انتصاراً استراتيجياً حاسماً كما أن التأكيد بانهم قد وقعوا بالفعل في فخ إقليمي محكم تقدير مبكر وفيه مبالغة لا تسندها الوقائع حتى الآن وان الفرضية الأدق بين الحالتين هي اعتبار أن ما تحقق هو انتصار ميداني واستراتيجي كبير فتح أمام الحوثيون باباً واسعاً من النفوذ لكنه قد فتح في الوقت نفسه باباً واسعاً من المخاطر والمخاوف المتعددة .
كما ان الجزم بوجود فخ اقليمي غحتى الآن لا يوجد أدلة قاطعة تثبت أن التقدم الحوثي كان نتيجة خطة معدة مسبقاً لاستدراج الجماعة إلى مواجهة دولية لتدمير قدراتها او القضاء عليها وما يعزز ذلك أن واشنطن نفسها لم تتخذ قراراً بالتدخل العسكري المباشر ولذلك سيكون من الخطأ التعامل مع نظرية الفخ او الشرك باعتبارها حقيقة مؤكدة لكنها تظل سيناريو شديد الواقعية إذا انتقل الحوثيون من السيطرة الجغرافية إلى فرض شروط على الملاحة أو استهداف السفن الدولية أو استخدام باب المندب كمنصة دائمة للضغط على السعودية ومصالحها الحيوية .
لا شك في الواقع بان باب المندب أصبح بالنسبة للحوثيين سلاحاً سياسياً وعسكرياً بالغ القوة لكنه قد يتحول في أي لحظة إلى عبء بالغ الكلفة وكلما نجحت الجماعة في تثبيت وجودها حول المضيق زادت قيمة الورقة التي تمتلكها وتضاعفت في المقابل القوى التي تتربص بها وهنا تكمن المفارقة في احتماليات المعركة المقبلة فقد يكون صحيحا ان الحوثيون انتزعوا مفتاحاً استراتيجيا مهما من خصومهم لكن السؤال الأصعب هل يستطيعون الاحتفاظ بهذا المفتاح دون أن يجدوا أنفسهم أمام حرب إقليمية ودولية تشن ضدهم تكون اوسع واقسى من كل الحروب التي خاضوها خلال السنوات الماضية .
ختاما : واقعيا مضيق باب المندب يمكن أن يكون بوابة انتصار الحوثيين الكبرى ويمكن في الوقت نفسه أن يكون بوابة الفخ الأعظم والفيصل بين الاحتمالين لن تحدده السيطرة العسكرية وحدها بل قدرة الجماعة على إدارة هذا المكسب بحسابات سياسية دقيقة تمنع تحويله من ورقة ردع إلى ذريعة لحشد قوات الخصوم لمعركة واحدة تخرجهم منه والامر والاهم إن الرهان الحوثي على استمرار الصمت الدولي والإقليمي هو رهان خطير ومبني على قراءة مغلوطة للأحداث لان الهدوء الحالي ربما لا يكون سوى مرحلة ترتيب للأوراق واستجماع للقوى قبل الدخول في جولة الصراع الحاسمة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

