حرائق متتالية وضبطيات حطب في غابات ساكب.. جرس إنذار لرفع الجاهزية والمراقبة

جرش- خلال مدة لم تتجاوز عشرة أيام، شهدت المناطق الحرجية في بلدة ساكب بمحافظة جرش، سلسلة من الاعتداءات المتزامنة على الثروة الحرجية، تمثلت بثلاثة حرائق طالت مساحات حرجية متفاوتة، أبرزها حريقا جبل أبو النمر وجبل الطرون، بالتزامن مع ضبط كميات كبيرة من الحطب والأخشاب المعتدى عليها، في مشهد يرفع مستوى القلق حول مصير غابات تضم أشجارا معمرة من السنديان واللزاب والقيقب، يعود عمر بعضها إلى مئات السنوات.

وخلال هذه الفترة القصيرة، اندلع حريق في جبل أبو النمر أتى على نحو 25 دونمًا من الأراضي الحرجية، فيما طال حريق جبل الطرون نحو 30 دونما، إضافة إلى حريق ثالث في بقعة حرجية أخرى كانت مساحته محدودة، لتصل المساحات التي طالتها الحرائق الرئيسية خلال هذه المدة إلى عشرات الدونمات من الغطاء الحرجي.
وأكدت كوادر مديرية زراعة جرش أن تكرار هذه الحرائق خلال فترة زمنية قصيرة يرفع من مستوى الاشتباه بأن بعضها قد يكون مفتعلا، خصوصا أن الحرائق اندلعت في مناطق حرجية ذات تضاريس وعرة وبعيدة نسبيا عن التجمعات السكانية، الأمر الذي يصعب مراقبتها والوصول إليها في الدقائق الأولى من اندلاع النيران.
وبحسب رئيس قسم الحراج في مديرية زراعة جرش المهندس إبراهيم قوقزة، فإن كوادر الحراج تتعامل مع تكرار هذه الحرائق باعتباره مؤشرا يستدعي رفع الجاهزية وتشديد المراقبة، خصوصا في ظل استمرار ضبط اعتداءات أخرى على الأشجار والحطب في المنطقة، لا سيما أن آخر الضبطيات تمثلت بضبط نحو ثمانية أطنان من الحطب المعتدى عليه في منطقة ساكب، وهي أخشاب تم الحصول عليها ونقلها من دون رخص قانونية، حيث تمت مصادرتها من قبل كوادر المديرية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.
ويربط قوقزة بين أهمية هذه الضبطيات وضرورة تكثيف الرقابة على الغابات، موضحا أن الاعتداءات لا تقتصر على قطع الأشجار، وإنما تشكل الحرائق أحد أخطر أشكال الاعتداء، لما تسببه من خسارة مباشرة للأشجار والغطاء النباتي، فضلا عن صعوبة إعادة الغابة إلى حالتها الطبيعية بعد تعرضها للحريق.
أشجار حرجية مهمة
وتكمن خطورة الاعتداءات في ساكب في أن الأشجار المستهدفة ليست من الأنواع قصيرة العمر أو سريعة النمو، وإنما تضم السنديان واللزاب والقيقب، وهي من الأشجار الحرجية المهمة التي تشكل جزءا من التنوع الحيوي في المنطقة، ويعود عمر الأشجار المعمرة منها إلى عشرات ومئات السنوات، فالشجرة التي تحترق أو تُقطع اليوم لا يمكن تعويضها خلال موسم زراعي أو سنوات قليلة، إذ تحتاج الأشجار الحرجية إلى فترات طويلة جدًا حتى تصل إلى أحجام وأعمار الأشجار القائمة حاليا، ما يجعل خسارتها خسارة بيئية تتجاوز مساحة الحريق المباشرة.
ومن وجهة نظر الناشط البيئي ورئيس الجمعية الخضراء لحماية الأرض والطبيعة، غسان عياصرة، فإن ما تشهده غابات ساكب خلال الفترة الأخيرة يستوجب التعامل معه باعتباره قضية بيئية ووطنية، وليس مجرد حوادث منفصلة.
ويؤكد عياصرة ضرورة تشديد الرقابة والمتابعة الميدانية على المناطق الحرجية، والعمل بصورة مستمرة على الحد من الاعتداءات، مشددا على أن الغابات تمثل ثروة وطنية وبيئة طبيعية يجب الحفاظ عليها، خصوصا في ظل وجود أشجار معمرة لا يمكن تعويضها بسهولة.
ويشير إلى أهمية تفعيل خطط الطوارئ ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع أي اعتداء أو حريق، مؤكدا أن حماية الغابات تتطلب استمرار المراقبة وعدم انتظار وقوع الحريق حتى تبدأ عمليات المكافحة، خاصة وأن هذه الغابات هي غابات المجتمع المحلي وبيئته وثروته الوطنية، وبالتالي فإن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي والجمعيات البيئية.
من جهته، يشدد الناشط البيئي عمر عياصرة على ضرورة تجديد إجراءات الحماية والرقابة في المناطق الحرجية في ساكب، خصوصا في ضوء تتابع الحرائق وضبط كميات من الحطب المعتدى عليه خلال فترة زمنية قصيرة.
ويؤكد عياصرة أن المرحلة الحالية تتطلب متابعة مستمرة وتكثيف الرقابة والحد من الاعتداءات، مشيرا إلى أن حماية الغابات ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب تعاون المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية والمجتمع المحلي والناشطين البيئيين.
ويرى أن غابات ساكب تمثل ثروة طبيعية ووطنية يجب الحفاظ عليها، وأن خسارة الأشجار المعمرة لا يمكن تعويضها بسهولة، داعيا إلى تفعيل خطط الطوارئ والوجود الميداني المستمر في المناطق الأكثر عرضة للاعتداء.
تحديات طبيعة التضاريس
وتأتي هذه الدعوات بالتزامن مع إجراءات جديدة تعمل مديرية زراعة جرش على تعزيزها، بعد سلسلة الحرائق والضبطيات الأخيرة، حيث تتجه المديرية إلى رفع مستوى الجاهزية وتفعيل خطط الطوارئ الخاصة بحماية الغابات.
ويؤكد قوقزة أن الخطة تقوم على مجموعة من الإجراءات الميدانية، من بينها تعزيز عمل أبراج المراقبة، وتكثيف الدوريات الحرجية، ورفع جاهزية تنكات تزويد المياه والآليات، وزيادة الانتشار في المواقع التي تشهد اعتداءات، إلى جانب تعزيز التنسيق مع الأجهزة الأمنية والدفاع المدني والإدارة الملكية لحماية البيئة والحاكمية الإدارية.
وتشكل أبراج المراقبة أحد أهم عناصر منظومة الحماية، خصوصا في المناطق الحرجية الواسعة والنائية، لأنها تتيح رصد الحرائق والاعتداءات في مراحلها الأولى، وتوجيه الدوريات والفرق المختصة إلى مواقعها بسرعة.
كما أن الدوريات الميدانية لا تقتصر مهمتها على مراقبة الحرائق، وإنما تشمل رصد عمليات قطع الأشجار ونقل الحطب بصورة غير قانونية، وضبط المركبات والحمولات المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبيها.
وتكشف الضبطية الأخيرة، التي تم خلالها ضبط نحو ثمانية أطنان من الحطب المعتدى عليه، عن حجم التحدي الذي تواجهه كوادر الحراج، خصوصا عندما تتزامن عمليات قطع الأشجار ونقل الحطب مع حرائق متكررة في المنطقة نفسها وخلال فترة زمنية قصيرة.
وأكدت كوادر الحراج أن التعامل مع هذه الوقائع يتطلب عدم الفصل بين مختلف أشكال الاعتداء على الغابة، فالحريق والقطع غير القانوني ونقل الحطب كلها مظاهر تؤدي في النهاية إلى استنزاف الثروة الحرجية، وإن اختلفت طرق الاعتداء.
وتزداد صعوبة حماية هذه المناطق بسبب طبيعة تضاريس ساكب الجبلية ووعورة عدد من المواقع الحرجية، الأمر الذي يجعل وصول آليات الإطفاء والدوريات أكثر صعوبة، ويمنح النيران فرصة للانتشار إذا لم يتم اكتشافها والسيطرة عليها في مراحلها الأولى، حيث أظهرت الحرائق الأخيرة حجم هذه الصعوبة، إذ احتاجت فرق الإطفاء إلى جهود ميدانية كبيرة للوصول إلى بؤر النيران والسيطرة عليها، فيما تم اللجوء إلى وسائل المراقبة الحديثة للمساعدة في رصد المواقع والتأكد من عدم تجدد الحرائق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة