السرفيس ليس رحلة فقط، إنه حق يومي في الوصول // عمر الدريني

في المدن التي تكبر كل يوم، لا تُقاس المسافات بعدد الكيلومترات وحدها؛ فالمسافة التي يقطعها إنسان مرة واحدة قد لا تعني شيئًا، لكنها تصبح مختلفة تمامًا عندما يقطعها كل صباح، ثم يعود إليها مساءً، ويدفع ثمنها من دخله، ويحسب وقتها من عمر يومه.
لهذا فإن الحديث عن خط سرفيس يربط منطقة بأخرى ليس حديثًا عن مركبة ومسار فقط، بل عن تفاصيل صغيرة تتداخل مع حياة الناس بصورة لا ننتبه إليها إلا عندما تصبح الخدمة غير كافية أو غير واضحة.
ومن هنا جاءتني ملاحظة من أحد المتابعين بشأن خط سرفيس ماركا الجنوبية، ومطالبته بدراسة إمكانية امتداد الخط إلى آخر المرقب، ضمن مسار واضح وأجرة محددة، بما ينسجم مع احتياجات السكان الفعلية.
قد يبدو الطلب بسيطًا، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: كيف نعرف أن خطوط النقل العام ما زالت تعكس المدينة التي نعيش فيها اليوم؟
فالمدينة ليست ثابتة. أحياؤها تتوسع، والسكان يتغير توزيعهم، ومواقع العمل والدراسة والخدمات تتبدل، وحركة الناس تأخذ مسارات جديدة. ولذلك فإن الخط الذي كان مناسبًا في وقت ما قد يحتاج، بعد سنوات، إلى مراجعة أو تعديل أو إعادة دراسة.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى مقترح تمديد خط ماركا الجنوبية إلى آخر المرقب باعتباره حكمًا مسبقًا على صلاحية المسار الحالي، بل باعتباره سؤالًا يستحق أن يُدرس.
هل هناك طلب فعلي من السكان؟
هل يحتاج عدد كبير من الركاب إلى الوصول إلى تلك المنطقة بصورة مباشرة؟
هل يمكن للخط أن يستوعب الامتداد دون أن يؤدي ذلك إلى إرباك الخدمة أو زيادة زمن الرحلة بصورة غير مناسبة؟
وما الأجرة التي ينبغي اعتمادها إذا تغير المسار؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها الانطباع، وإنما الأرقام والعمل الميداني.
وهناك جانب آخر في المسألة لا يقل أهمية: العلاقة بين الراكب والسائق.
حين لا تكون القاعدة واضحة، يبدأ كل طرف في تفسيرها من زاويته. الراكب يريد أن يعرف حدود الرحلة وقيمتها، والسائق يريد أن يعرف المسار الذي يعمل عليه والأجرة التي يفترض تحصيلها. وبين الاثنين قد ينشأ خلاف كان يمكن تجنبه بمعلومة واضحة وتعليمات معلنة.
ولهذا فإن المطالبة بتنظيم المسار والأجرة لا ينبغي أن تُفهم على أنها اتهام للسائقين. وإذا كانت هناك ملاحظات حول اختلاف الأجرة، فالمعيار هو الأجرة الرسمية والتحقق من الالتزام بها، لا إطلاق الأحكام.
فالوضوح يحمي الجميع.
يحمي المواطن من الالتباس، ويحمي السائق من سوء الفهم، ويساعد الجهة المنظمة على معرفة مواضع الخلل إن وجدت.
وربما يكون من أبسط الحلول أن يعرف الراكب قبل أن تبدأ الرحلة: أين ينتهي الخط؟ وما الأجرة؟ وما النقاط التي يشملها المسار؟
معلومة صغيرة، لكنها تختصر كثيرًا من النقاش.
أما مسألة الوصول إلى آخر المرقب، فيمكن أن تبدأ بدراسة حقيقية لحركة الركاب. لا نحتاج في البداية إلى وعود كبيرة؛ نحتاج إلى أن نعرف الواقع كما هو.
كم شخصًا يحتاج هذه الخدمة؟
متى تزداد الحاجة إليها؟
من أين يصعد الركاب؟
وأين يريدون الوصول؟
وما البدائل المتاحة أمامهم حاليًا؟
حين توضع هذه الأسئلة على الطاولة، يصبح القرار أكثر عدلًا وأقرب إلى الواقع.
وقد تكون النتيجة تمديد الخط، وقد تكون تعديل مساره، وقد يكون الحل في خدمة أخرى أو تنظيم مختلف. ليس المهم أن نصل إلى نتيجة محددة مسبقًا، بل أن نصل إلى النتيجة التي تخدم الناس بعد دراسة الحاجة الحقيقية.
فالنقل العام ليس ترفًا.
إنه الوقت الذي يحاول الموظف ألا يهدره، والمال الذي يحاول رب الأسرة أن يوفر منه، والطالب الذي يريد الوصول إلى جامعته أو مدرسته، والعامل الذي لا يملك رفاهية اختيار وسيلة نقل خاصة كل يوم.
ولهذا فإن كل تحسين في النقل العام، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن ينعكس على حياة عدد كبير من الناس.
وربما يكون أجمل ما في هذه المطالبة أنها لا تحتاج إلى خصومة.
لا المواطن خصم للسائق، ولا السائق خصم للمواطن، ولا الجهة المنظمة خصم لأي منهما.
الجميع يحتاج إلى الشيء ذاته: نظام واضح يمكن الاعتماد عليه.
من ماركا الجنوبية إلى آخر المرقب، قد تكون المسافة على الخريطة مجرد امتداد لخط.
لكن في حياة المواطن، قد تعني هذه المسافة وقتًا محفوظًا، ومبلغًا محسوبًا، ورحلة أقل تعقيدًا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن تمديد خط السرفيس؟
بل: هل نستطيع أن نجعل النقل العام أقرب إلى حياة الناس كما يعيشونها فعلًا؟
حين يصبح هذا السؤال جزءًا من دراسة كل خط ومسار، يصبح الطريق أكثر من مجرد طريق؛ يصبح خدمة تعرف وجهتها، ويعرف المواطن كيف يصل إليها.

