“نفش الصوف”.. من “العونة” وجهاز العروس إلى ذاكرة تسكن البيوت

مع كل مناسبة فرح وزواج، كان هنالك مشهد يتكرر، فقبل أن يطرق الشتاء أبواب البيوت، تجتمع سيدات الحي حول أكوام الصوف، فيبدأ العمل من “جزّه” عن الأغنام، إلى غسله وتنظيفه وتجفيفه، وصولا إلى نفشه بالطرق التقليدية وتجهيزه ليصبح فرشات ولحفا ومخدات ترافق العائلة لسنوات طويلة.

لم تكن تلك العملية مجرد عمل منزلي شاق، بل كانت أياما لها طقوسها وذاكرتها؛ تتعالى خلالها الأغاني والأحاديث وتقام الولائم، وتتعاون النساء في إنجاز المهمة، أيضا يشارك الأطفال والعائلات تفاصيل أيام طويلة من العمل والعونة والفرح.
وبين أيدي النساء، كان الصوف يتحول شيئا فشيئا إلى جزء من “جهاز العريس”، أو إلى فرشات وأغطية يتم تجديدها استعدادا للشتاء، لتصبح هذه التفاصيل جزءا من ذاكرة أجيال من الأردنيين، يستعيدونها اليوم بحنين إلى زمن كانت فيه الأشياء تصنع داخل البيوت، وكان اجتماع الأهل والجيران جزءا أصيلا من تفاصيل الحياة اليومية.
طقوس تراثية حافظت عليها العائلات
وهنا، تستعيد أم إبراهيم، وقد تجاوزت الثمانين من عمرها، تلك الأيام وكأنها ما تزال حاضرة أمامها، حين كانت الأسر لا تشتري الفرشات و”اللحف” والمخدات جاهزة، بل تبدأ رحلة تجهيزها من الأغنام الموجودة لديها.
وتحكي أم إبراهيم أن الاستعداد لزواج أحد أبناء العائلة كان يبدأ قبل العرس بفترة طويلة، فتُجز الأغنام ويجمع الصوف، ثم يغسل وينظف وينشر حتى يجف، قبل أن تجتمع النساء في بيت العائلة لنفشه وتجهيزه.
وكانت العملية تستغرق وقتا وجهدا، لكنها كانت في الوقت نفسه مناسبة تجمع سيدات الحي حول عمل واحد، فتتداخل الأيدي والأحاديث والأغاني، وتقام الولائم، ويتجمع الأطفال والعائلات، لتمتد أجواء الفرح أياما متواصلة.
وبعد أن يصبح الصوف جاهزا، تبدأ مرحلة اختيار الأقمشة التي ستحتضنه، لتتحول إلى فرشات ولحف ومخدات، وكانت النساء يحرصن على اختيار الأقمشة بعناية، ثم يقمن بخياطتها وتجهيزها وترتيبها، حتى يكتمل جزء أساسي من “جهاز العريس”.
وتتذكر أم إبراهيم أن الفرشات بعد تجهيزها كانت تُرتب بعناية وتحمل إلى بيت العريس، وكان عددها موضع فخر للعائلة، حتى إن النساء كن يتباهين بما شاركن في صنعه، فيما كان العريس وأهله يعتزون بما تم عمله من فرشات مصنوعة من صوف أغنام الأسرة.
ذكريات ما تزال حاضرة بالبيوت بتفاصيلها
وكانت هذه الفرشات تحفظ في مكان مخصص داخل البيت، مثل “المَلَم” أو ما كان يعرف شعبيا بـ”الوهد”، لتبقى مرتبة وجاهزة للاستخدام، في وقت كان فيه عدد الفرشات وحجم الجهاز يعكسان جانبا من استعداد الأسرة للزواج.
لكن نفش الصوف لم يكن مرتبطا بالأعراس وحدها؛ فمع اقتراب الشتاء، كانت الأسر تعود إلى فرشاتها وأغطيتها القديمة لتتفقد حال الصوف فيها. وتقول أم إبراهيم إنه إذا كان لا يزال صالحا، تفتح الفرشة ويفرغ الصوف منها ثم يعاد تنظيفه ونفشه وحشوه من جديد، لتستعيد الفرشة متانتها وتكون جاهزة لموسم البرد.
وبحسب أم إبراهيم، فإن تجهيز الصوف للشتاء كان جزءا من تدبير شؤون البيت، بينما كان تجهيز “جهاز العريس” مناسبة أكبر، تتسع فيها دائرة المشاركة وتكثر مظاهر الفرح والعونة، ولذلك بقيت ذكريات تلك الأيام عالقة في ذاكرتها حتى اليوم.
ومع مرور السنوات، تغير المشهد؛ فبدلا من أن يبدأ تجهيز الفرشة من صوف الأغنام وينتهي بأيدي النساء في البيت، أصبح بعض الناس يشترون الصوف النظيف والجاهز، ويرسلونه إلى المحال المتخصصة لتنظيفه ونفشه وإعادة تنجيد الفرشات، قبل أن تتراجع هذه الممارسة أكثر مع انتشار الأغطية الجاهزة والفرشات الحديثة.
وفي هذا السياق، يتحدث أحمد سلهب، الذي يعمل في تحضير وصناعة اللحف والفرشات والأغطية منذ سنوات طويلة، عن تفاصيل مهنة توارثتها عائلته جيلا بعد جيل، مبينا أن الصوف كان في وقت مضى حاضرا بقوة في البيوت، وكانت فرشاته وأغطيته من أساسيات ما يجهز للعروسين.
مشاركة الأسرة في مراحل التجهيز
ويشير إلى أن محله كان يستقبل كميات كبيرة من الصوف، بعضها يكون جاهزا للاستخدام، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى الغسل والتنظيف والنفش وإعادة التجهيز قبل أن يتحول إلى فرشات أو لحف أو مخدات. وفي بعض الأحيان، كانت الكميات كبيرة إلى درجة أن المحل لا يتسع للعمل عليها، فيتوجه مع العاملين لديه إلى بيوت أصحابها لإنجاز المهمة هناك.
ويستذكر سلهب أن البيت الذي كانت تجهز فيه كميات كبيرة من الصوف كان يتحول إلى خلية عمل؛ تشارك الأسرة في مراحل التجهيز وتتداخل أصوات الحديث والحركة مع رائحة الصوف بعد تنظيفه، لتصبح العملية جزءا من ذاكرة البيت وموسم الاستعداد للشتاء أو الزواج.
لكن ذلك المشهد بحسب سلهب، أصبح أقل حضورا بكثير اليوم؛ فما يزال بعض الناس يتمسكون بالفرشات واللحف المصنوعة من الصوف، غير أن الغالبية اتجهت إلى الأغطية المصنوعة من القطن والبوليستر، فيما حلت الفرشات المصنوعة من الإسفنج المقوى والفرشات الطبية محل جزء كبير من الفرشات التقليدية.
وأصبحت المصانع والمحال المتخصصة توفر هذه المنتجات جاهزة، بما يختصر على العائلات وقتا وجهدا كانا جزءا من رحلة طويلة تبدأ من جز الصوف وتنتهي بفرشة أو لحاف في بيت الأسرة.
ومع ذلك، يؤكد سلهب أن المهنة لم تختف تماما؛ فما يزال هناك من يأتي إلى المحل حاملا صوفا قديما أو فرشة ورثها عن الأهل، ليطلب تنظيفها أو إعادة نفشها وتجهيزها من جديد، وكأن ما يحمله ليس مجرد صوف أو فرشة قديمة، وإنما قطعة من ذاكرة البيت.
وهنا، يرى خبير التراث الأردني والمدون نايف النوايسة أن “نفش الصوف” لم يكن مجرد عملية منزلية لإعداد الفرش واللحف والمخدات، وإنما كان جزءا من نمط حياة متكامل عاشه الإنسان الأردني قبل عقود، حين كان يعتمد بصورة كبيرة على ما تنتجه أرضه وما تملكه أسرته من أغنام.
الصوف احتل مكانة مهمة في حياة الأسرة
ويقول النوايسة إن الإنسان الأردني قديما كان يعتمد على الحبوب التي تنتجها أرضه، وعلى الأغنام التي توفر له اللحوم واللبن والصوف، فيما وجد في الحطب بديلا للطاقة، وفي الدابة وسيلة للتنقل، ضمن نمط حياة كان أكثر اعتمادا على موارد الأسرة وما تنتجه البيئة المحيطة بها.
ويلفت إلى أن الصوف احتل مكانة مهمة في حياة الأسرة، ولا سيما في الاستعداد للزواج، إذ كان موسم جز الصوف، المعروف شعبيا بـ “القصاص”، يتصل بموسم الزواج، حيث تجمع كميات الصوف وتغسل في عيون المياه أو السيول ثم تجفف على الصخور قبل نقلها إلى البيوت لنفشها وتجهيزها.
ويشير النوايسة إلى أن الصوف كان يتجمع على شكل “أجزاز”، ومفردها “جزة”، وكان يحفظ في شوالات تمهيدا لبيعه أو استخدامه، لافتا إلى أن بعض البيئات كانت تشترط أن يحضر العريس كمية كبيرة من الصوف تصل إلى قنطار، لاستخدامها في إعداد الفرشات والأغطية والمخدات واللحف.
“العونة” والتكافل الاجتماعي بين الأسر
وبحسب النوايسة، فإن هذه الأعمال كانت تقوم على “العونة” والتكافل الاجتماعي، وتتخللها وجبات خاصة لمن شاركوا في غسل الصوف ونفشه وتجهيز الفرش، لتتحول العملية من مهمة منزلية شاقة إلى مناسبة اجتماعية تجمع الأهل والجيران.
وكانت النساء، وفق النوايسة يتباهين بكمية الصوف التي لديهن، باعتبارها دليلا على مكانتهن عند أهلهن وأهل أزواجهن، فيما أسهمت هذه الممارسة في إنجاز جزء كبير من “جهاز العروس”، وتحويل مورد موجود في حياة الأسرة اليومية إلى فرش وأغطية ومخدات للبيت الجديد.
ويرى أن نفش الصوف يكشف جانبا من ثقافة الاعتماد على الذات والاقتصاد المنزلي في المجتمع الأردني القديم، حيث كانت الأسرة تستفيد من مواردها المتاحة وتحولها إلى احتياجات أساسية، قبل أن تتغير أنماط الاستهلاك وتتسع مساحة الاعتماد على المنتجات الجاهزة.
ومع تغير طبيعة المنازل وصغر مساحاتها، وتبدل شكل “جهاز العروس”. بدأت هذه الممارسة تتراجع، ولم يعد الصوف يحتفظ بالمكانة الاقتصادية والاجتماعية ذاتها. كما أن بعض أصحاب الأغنام باتوا يجدون صعوبة في تسويقه، حتى إن الصوف الذي كان يوما مادة ثمينة ومصدرا للرزق، أصبح في بعض الحالات يتخلص منه بالحرق.
ولم يقتصر التراجع على نفش الصوف نفسه، بل طال ايضا كثيرا من المفردات والأدوات والطقوس التي كانت ترافقه، مثل “الكرداش” والأدوات الخاصة بنفش الصوف والإبر والمغازل، فضلا عن الأكلات الشعبية التي كانت يتم تحضيرها في تلك المناسبات.
وبين فرشة كانت تفتح قبل الشتاء، ونساء يجتمعن حول الصوف، وأغنيات تتردد في البيوت وجهاز عريس يحمل إلى بيت جديد، تبدو الحكاية اليوم أبعد من مجرد حرفة تراجعت؛ فهي صورة من حياة كانت الأشياء فيها تحتاج إلى أيدي أهلها ووقت طويل حتى تصبح جزءا من البيت.
ولعل ما يبقى من تلك الحكاية، وفق النوايسة، هو أن الصوف لم يكن مجرد مادة يتم حشوها داخل الفرشات، بل كان يحمل تعب النساء و”العونة” وذاكرة الأعراس ودفء الشتاء وتفاصيل البيوت التي عاش فيها الآباء والأجداد.
أما اليوم، فقد أصبح كثير من تفاصيل تلك الرحلة تختصر في زيارة محل أو شراء غطاء جاهز، فيما بقيت رائحة الصوف وأصوات النساء وأيام التجهيز حاضرة في ذاكرة من عاشوا ذلك الزمن.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة