التمدد الإسرائيلي في جنوب سوريا زلزال زاحف وناقوس خطر يهدد السيادة الأردنية .


مهدي مبارك عبدالله

 

 

إن ما يشهده الجنوب السوري اليوم من تمدد عسكري إسرائيلي متسارع ومتجذر لا يمكن تصنيفه ضمن التحركات التكتيكية المؤقتة أو المناوشات الحدودية العابرة بل هو زلزال جيوسياسي زاحف وناقوس خط وممنهج يهدف إلى نسف القواعد التاريخية المستقرة للأمن القومي الأردني مما يفترض إطلاق ضوء أحمر عاجل ومسؤول يحذر مراكز صنع القرار في عمان من خطورة القراءة التقليدية الهادئة لهذا المشهد المفخخ الذي بات يطرق الأبواب الشمالية للمملكة بقوة ويؤسس لواقع احتلالي مباشر يتطلب استراتيجية مواجهة شاملة تنهي حقبة الانتظار والترقب .

جملة المخاوف الأردنية الراهنة تتجاوز حدود القلق الدبلوماسي المعتاد لتصل إلى مرحلة التحذير الوجودي من استراتيجية التطويق الجغرافي الخشن التي تنتهجها تل أبيب عبر قضم أراضي ريف درعا والقنيطرة ومحيط السويداء ببطء وتحويلها إلى جبهة تماس عسكري ساخنة تضع القوات المسلحة الأردنية في حالة استنفار دائم واستنزاف مكلف لطاقتها البشرية واللوجيستية كما تجعل الحدود الشمالية للمملكة بطولها البالغ مئات الكيلومترات مكشوفة تماماً أمام أي احتكاك حربي مباشر أو تدحرج سريع للأعمال العسكرية غير المحسوبة في أي لحظة .

الخشية الحقيقية والأكثر عمقاً لدى الدولة الأردنية تكمن في سعي الحكومة الإسرائيلية الحثيث لفرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب وتأسيس أحزمة عازلة تشبه حزام جنوب لبنان السابق تديرها فصائل محلية أو كيانات انفصالية وعشائرية مشبوهة يتم شراؤها وتدريبها لتدين بالولاء الكامل للمحتل الإسرائيلي مما يعني عملياً محاولة تدمير مفهوم الدولة الجارة ذات السيادة الكاملة واستبداله بحزام مستدام من النار والفوضى والاختراقات يستحيل معه على الأجهزة الأمنية الأردنية ضبط الحدود أو التنبؤ بمسارات التهديد المتصاعد من قوى غير انضباطية .

اللافت ان خطر هذا التمدد التوسعي يمتد ليوجه ضربة قاصمة وشديدة الخطورة للأمن المائي الأردني الذي يعاني تاريخياً من شح حاد وجفاف غير مسبوق في الموارد حيث تضع إسرائيل يدها تدريجياً على نقاط التغذية المائية وحوض اليرموك الاستراتيجي والمجاري المائية الحيوية المغذية للمملكة مثل وادي الرقاد والمقاصب مما يمنح تل أبيب القدرة الكافية على التحكم الكامل بالتدفقات وحرمان الأردنيين من حصصهم التاريخية المشروعة وتحويل شريان الحياة المائي إلى ورقة ابتزاز سياسي واقتصادي خانقة تضغط على القرار السيادي لعمان .

بموازاة ذلك فإن ترك الأمور على عواهنها في الجنوب السوري والتغاضي عن تمدد الاحتلال سيؤدي حتماً إلى انهيار تام لخطوط الدفاع الصارمة التي بناها الجيش الأردني طوال السنوات الماضية لمكافحة شبكات تهريب المخدرات المنظمة مثل الكبتاغون وحملات تهريب الأسلحة الثقيلة والمقذوفات حيث يستغل تجار الموت وعصابات الجريمة العابرة للحدود الفراغ الأمني والفوضى الإدارية الناجمة عن التوغلات الإسرائيلية لتكثيف هجماتهم واختراق الجبهة الداخلية الأردنية بأساليب تسلل جديدة وأكثر تعقيداً وعنفاً.

هذا التصعيد الإسرائيلي المستمر في الإعدام التام لكافة الطموحات والآمال الاقتصادية للأردن والمتعلقة بإعادة تشغيل الشرايين البرية وتنشيط حركة التجارة عبر المعابر الشمالية الحيوية مثل جابر ونصيب يتسبب ايضا في تعطيل مشاريع الطاقة الاستراتيجية والربط الكهربائي وخطوط الغاز البرية كما يؤدي إلى تجميد نهائي لملف العودة الطوعية والآمنة لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين المقيمين في الأردن نتيجة لتحول مدنهم وقراهم الأصلية إلى ثكنات عسكرية ومناطق اشتباك ومطاردات تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار والعيش الآمن .

التهديد المباشر للأردن يتعاظم مع رصد التحول العسكري البالغ الخطورة المتمثل في قيام الطيران والمدفعية الإسرائيلية بتدمير ممنهج لكافة شبكات الرادار ومنظومات الدفاع الجوي ومحطات الإنذار المبكر التابعة للجيش السوري في التلال الاستراتيجية الحاكمة مثل تل الحارة وتل الجابية وتل الخضر وهي خطوة تعني في العرف العسكري كشف الأجواء الشمالية للمملكة الأردنية الهاشمية بالكامل وحرمانها من أي منظومات رصد وهو ما تضع سلاح الجو الملكي الأردني أمام تحديات عملياتية معقدة ومباشرة في إقليمية وتنبؤ عسكري مسبق حماية سمائه.

حالة الانكشاف العسكري الحرج ترافقت مع تراجع لافت للدور الروسي في الجنوب السوري مع سيطرة النظام الجديد والذي كان يمثل تاريخياً عبر مراكز المراقبة والاتفاقيات الدولية نوعاً من الكابح والضامن الأساسي لعدم اقتراب القوات الإسرائيلية أو الميليشيات الإيرانية من الحدود الأردنية حيث تسبب استنزاف موسكو في حرب أوكرانيا وتبعاتها الدولية في خلق فراغ جيوسياسي هائل وغياب للطرف الوسيط وهي الفرصة الذهبية التي سارعت تل أبيب لاستغلالها بعد سقوط النظام بشن هجوم كاسح لتغيير قواعد اللعبة الأمنية وفرض وقائع ميدانية جديدة لخدمة مصالحها وحدها .

الحقيقة الراسخة ان الارتدادات الخطيرة لهذا الواقع لا تتوقف عند الترتيبات العسكرية الصرفة واعدة رسم الخرائط الجيوسياسية بل تمتد لتهز على النسيج الاجتماعي والقبلي العابر للحدود نظراً للتداخل والامتداد العشائري الوثيق والعميق بين محافظات شمال الأردن مثل الرمثا وإربد والمفرق وبين قرى ومدن العمق السوري في درعا والسويداء حيث يهدد العبث الإسرائيلي بالتركيبة الديمغرافية السورية وبث القلاقل والفتن المحلية بنقل النزاعات الفصائلية أو موجات النزوح القسري الجديدة نحو الداخل الأردني عبر هذه الروابط العائلية مما يشكل عبئاً أمنياً واجتماعياً واقتصادياً داخلياً فائق الحساسية والتعقيد على الدولة الأردنية .

الا ان الخطر الميداني المباشر يتجسد ايضا في قيام جرافات وهندسة الجيش الإسرائيلي بتدمير المزارع وتجريف الأراضي الزراعية الواسعة في منطقة القنيطرة وتدمير خطوط السياج الحدودي القديم المعمول به منذ اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 واستبداله بسياج أمني وعسكري وعازل متطور للغاية ومزود بأبراج مراقبة حيث يتوغل بقوة وعمق داخل الأراضي السورية مما يؤدي عملياً إلى قضم المساحات وتبديل المخططات الطبوغرافية للمنطقة وحرمان الأردن مستقبلاً من وجود أي شريط حدودي عازل وآمن ومستقر تشرف عليه دولة سورية حقيقية تلتزم بالقوانين والمعاهدات الدولية .

التساؤل المصيري والجوهري يبرز في هذا التوقيت الحرج حول مدى مصلحة الأردن في دعم ومساندة النظام الحالي في دمشق كحتمية استراتيجية تفرضها الجغرافيا وحقائق التاريخ حيث تجد عمان بعد مراجعات دقيقة أن وجود سلطة مركزية سورية قوية وباسطة لسيادتها ومؤسساتها الرسمية وجيشها النظامي على كامل مناطق الجنوب يمثل الضمانة الوحيدة الحقيقية والبديل الأقل سوءاً لمنع تحول المنطقة الشمالية للمملكة إلى ساحة مشتعلة للتنظيمات المتطرفة أو الحروب بالوكالة عبر الميليشيات المنفلتة التي تدفع ثمنها الحدود الأردنية أولاً وأخيراً.

كما ان دعم عمان لدمشق في هذه المرحلة الاستثنائية والمعقدة يجب ألا يكون شيكاً على بياض أو دعماً مجانياً بل محكوماً ببراغماتية سياسية وأمنية صارمة ومقترناً بتعهدات حقيقية ملموسة تلتزم بها الحكومة السورية للقيام بواجباتها السيادية الكاملة في تفكيك منظومات إنتاج وتهريب المخدرات وإبعاد الميليشيات الطائفية المسلحة عن خطوط التماس والتعاون الأمني والعسكري المباشر والشفاف مع الأردن لإنتاج بيئة حدودية منضبطة كلياً وقادرة على الصمود والثبات في وجه المشاريع التوسعية والتوغلات الإسرائيلية المستمرة.

ما يتوجب معرفته جيدا ان أي ترتيبات أمنية محتملة أو تسويات مستقبلية يتم صياغتها في الجنوب السوري تحمل تداعيات مصيرية ومباشرة على حركية ومستقبل الدولة الأردنية فإذا جرت هذه الترتيبات بمعزل عن مصالح عمان العليا وبما يكرس النفوذ الإسرائيلي الدائم والأمر الواقع فإنها ستدخل الأردن في نفق مظلم من الاستنزاف الأمني الطويل ينهك مقدراته الاقتصادية والعسكرية ويضعه تحت المقصلة الدائمة للابتزاز والضغط والتهديد المباشر على جبهتيه الغربية والشمالية معاً بشكل غير مسبوق في تاريخ المملكة.

لكن إذا ما نجحت الدبلوماسية الأردنية النشطة والمدعومة بقوة الردع العسكرية الميدانية في فرض شروطها لتكون طرفاً رئيساً ومؤثراً في صياغة أي ترتيبات أمنية مستقبيلة للجنوب السوري فإن ذلك سيتيح للمملكة رسم خارطة أمنية تحمي مصالحها المائية والبرية وتضمن إبقاء القوات المعادية وعناصر عدم الاستقرار بعيدة عن خطوط التماس الحدودية مع فرض وجود قوات عسكرية نظامية منضبطة تلتزم بكافة التفاهمات والقوانين الحدودية والاتفاقيات الدولية المشتركة بين البلدين الشقيقين.

لعل فهم المعادلة الكاملة بدقة اكبر يتطلب الانتقال إلى تحليل السيناريوهات الميدانية العسكرية التي قد تواجه الجيش الأردني على الحدود الشمالية حيث يبرز السيناريو الأول في الاحتكاك العسكري المباشر أو غير المقصود نتيجة للعمليات الحربية الإسرائيلية الراكضة نحو العمق السوري وما يرافقها من سقوط مقذوفات وقذائف مدفعية أو اختراقات جوية داخل الأراضي الأردنية مما يفرض على الجيش العربي استخدام لغة النار والرد الفوري لحماية السيادة الوطنية ومنع تحول أجواء الأردن وأراضيه إلى ممر أو مستودع لرسائل القصف المتبادل .

السيناريو الميداني الثاني والأكثر تعقيداً يتمثل في فرضية حرب العصابات واستنزاف الحدود من خلال تدفق أعداد هائلة من الميليشيات غير النظامية أو عناصر التنظيمات الإرهابية المسلحة التي قد يغريها الفراغ الأمني وتفكك السيطرة السورية لتجعل من الشريط الحدودي الشمالي للأردن منصة لشن هجمات ضد القوات الإسرائيلية أو لتهريب السلاح الثقيل مما يضع قوات حرس الحدود الأردنية في مواجهة حرب استنزاف يومية شرسة ومفتوحة على كافة الاحتمالات الأمنية وتتطلب تعزيزات تكنولوجية وعسكرية باهظة الكلفة.

أما السيناريو الميداني الثالث فيتمحور حول أزمة لجوء واختراق بشري ديمغرافي واسع النطاق تحت وطأة الآلة الحربية الإسرائيلية وتجريف البلدات السورية في درعا والقنيطرة حيث قد تندفع موجات بشرية ضخمة ومذعورة من المدنيين السوريين مدفوعة قسراً نحو السواتر الحدودية الأردنية طلباً للأمان مما يضع الدولة الأردنية أمام معضلة إنسانية وأمنية فائقة الحساسية والتعقيد تتطلب الموازنة الدقيقة والصعبة بين الالتزام الإنساني الأخلاقي وبين الضرورات الأمنية القصوى لمنع تسلل عناصر تخريبية مسلحة داخل هذه الموجات البشرية.

في النهاية يبدو إن الخاتمة الحتمية لجميع هذه السيناريوهات الجيوسياسية والميدانية تفرض على المملكة الأردنية الهاشمية رفع أعلى درجات الجاهزية القتالية والأمنية وإعلان حالة الطوارئ الاستراتيجية لأن الجغرافيا لا تحابي المترددين والتاريخ يثبت بشكل قاطع أن الأمن الوطني للدول لا يحمى بالبيانات الإنشائية أو المواقف الدبلوماسية الناعمة بل بالخطوات الاستباقية الشجاعة والردع الخشن الذي يضع حداً لتغول الاحتلال وان تدرك من خلاله عمان أن أي تراخٍ أو تردد اليوم سيعني دفع أثمان باهظة جداً من سيادة الأردن واستقراره في المستقبل القريب .

حمى الله الاردن ارضا وقيادة وجيشا وشعبا وادام على حياضه الامن والاستقرار والتقدم والازدهار

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.