وقفة مع جلالة الملك عبدالله الثاني في الامم المتحدةً

الدكتور موفق العجلوني
ليست كل الخطب التي تُلقى من على منبر الأمم المتحدة متساوية في أثرها، وليس كل خطاب لرئيس دولة يكون مجرد استعراض للمواقف المعروفة أو إعادة صياغة لما قيل من قبل.
و لكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم كان من النوع الذي يستحق التوقف عنده، لا بسبب ما قيل فيه فقط، وإنما بسبب ما حمله من رسائل، وما كشف عنه من قراءة أردنية لمشهد دولي وإقليمي بالغ الخطورة والتعقيد.
لقد تحدث جلالةً الملك من موقع دولة تعرف جغرافيا الخطر، وتدرك كلفة الحرب، وتعيش في قلب منطقة تتقاطع فيها الأزمات، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تتحول هذه الجغرافيا إلى قدر سياسي مفروض عليها ومن هنا جاءت أهمية الخطاب.
لم يكن خطاباً أردنياً بالمعنى الضيق، بل كان خطاباً عن فلسطين والشرق الأوسط، وعن القانون الدولي، وعن الأمن والاقتصاد، وعن مستقبل النظام الدولي نفسه.والأهم أنه كان خطاباً يحمل رسائل واضحة إلى أكثر من طرف في وقت واحد.
ربما كانت الرسالة الأعمق في خطاب جلالة الملك هي أن العالم لم يعد يواجه نقصاً في المعلومات عن أزماته، وإنما يواجه نقصاً في الإرادة السياسية للتعامل معها.
فالعالم يعرف ما يحدث في غزة.
ويعرف ما يحدث في الضفة الغربية.
ويعرف حجم المعاناة الإنسانية.
ويعرف مخاطر التوسع الاستيطاني والتهجير وتغيير الحقائق على الأرض.
ويعرف أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود لم ينتج سلاماً، وإنما راكم مزيداً من الألم والغضب وعدم الاستقرار.
ولهذا لم يكن السؤال الذي طرحه جلالة الملك مجرد: ماذا يحدث؟
بل كان السؤال الأعمق:
ماذا سيفعل العالم بما يعرفه؟
وهنا تحديداً تكمن قوة الرسالة الأردنية.
فلسطين ليست ملفاً إقليمياً… إنها اختبار للنظام الدولي .
من أكثر ما يلفت في خطاب جلالة الملك أنه لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إقليمية أخرى يمكن إضافتها إلى قائمة أزمات العالم.
لقد وضعها في إطار أكبر بكثير.
فإذا كانت قواعد القانون الدولي تنطبق على الجميع، وإذا كانت الأمم المتحدة قد قامت أصلاً على حماية السلم والأمن الدوليين وحقوق الشعوب، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
ما قيمة هذه القواعد إذا أصبحت قابلة للتطبيق في مكان وغير قابلة للتطبيق في مكان آخر؟
هذه هي النقطة التي جعلت الخطاب يتجاوز حدود الموقف الأردني التقليدي.
فجلالته لم يتحدث فقط عن وقف الحرب أو إدخال المساعدات أو حماية المدنيين، وإنما تحدث عن ضرورة إنهاء حالة أصبحت فيها إدارة الصراع بديلاً عن حل الصراع , وهذا فارق جوهري.
إدارة الأزمة قد تؤجل الانفجار.أما السلام الحقيقي فيعالج جذور الأزمة.
والأردن، الذي ظل لعقود يدعو إلى حل الدولتين، يعرف أن غياب الأفق السياسي لا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه، بل يعني أن الفراغ السياسي سيملؤه التطرف والعنف والفوضى.
لم يسمح جلالة الملك بأن تتحول مأساة غزة إلى مجرد أرقام. فالحديث عن القتلى والجرحى والمستشفيات والمساعدات والدمار ليس مجرد عرض للوقائع الإنسانية، بل هو حديث عن أمن المنطقة ومستقبلها.
فكل طفل يولد وسط الركام، وكل عائلة تفقد منزلها، وكل جيل ينشأ في بيئة من الخوف واليأس، هو جزء من المعادلة السياسية والأمنية المقبلة.
وهنا كانت الرسالة الأردنية شديدة الوضوح: لا يمكن بناء أمن مستدام في الشرق الأوسط فوق المأساة الإنسانية.
ولا يمكن أن تكون المساعدات بديلاً عن الحل السياسي. ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يكتفي بإدارة الاحتياجات الإنسانية بينما تستمر الأسباب التي تنتجها.
من أهم جوانب الخطاب الملكي أنه لم يسمح بأن تحجب غزة ما يجري في الضفة الغربية. فالاستيطان، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وعنف المستوطنين، ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، ليست ملفات منفصلة.
إنها، وفق الرؤية التي طرحها جلالة الملك، جزء من مسار أوسع يمكن أن يقوض الأساس الجغرافي والسياسي لحل الدولتين.
وهنا تظهر أهمية الموقف الأردني.
فالأردن لا ينظر إلى الضفة الغربية من زاوية جغرافية فقط. إنها قضية أمن وطني، وقضية إقليمية، وقضية مرتبطة مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية وباستقرار المنطقة كلها.
ولهذا فإن أي تغيير قسري للواقع في الضفة الغربية لن يبقى بلا تداعيات تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
وحين يتحدث الملك عن القدس، فإنه يتحدث من موقع تاريخي وقانوني وديني مختلف. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست بالنسبة للأردن تفصيلاً بروتوكولياً. إنها مسؤولية تاريخية مستمرة. ومن هنا فإن الدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس يأتي في صميم الرؤية الأردنية للسلام، تماماً كما تأتي حماية المقدسات ورفض محاولات فرض واقع جديد بالقوة.
من يقرأ خطاب جلالة الملك بعيداً عن العاطفة السياسية يدرك أن الأمن كان أحد محاوره الرئيسية. فالأردن يعيش في منطقة تتداخل فيها الحروب والصراعات والميليشيات وشبكات التهريب والإرهاب، ويعرف أن الفوضى لا تحتاج إلى تأشيرة حتى تعبر الحدود. ولذلك فإن حماية الحدود الأردنية ليست قضية ثانوية.
كما أن أمن المياه والطاقة والغذاء لم يعد في عالم اليوم مفهوماً منفصلاً عن الأمن الوطني.
والرسالة التي وجهها جلالة الملك في هذا السياق كانت واضحة:
الأردن يؤمن بالدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يعرف خطوط أمنه الوطني، ويعرف أن حماية الدولة ومصالحها ليست مجالاً للمساومة.
وهنا تتضح إحدى أكثر سمات السياسة الأردنية ثباتاً. الأردن لا يتعامل مع أمنه باعتباره جزيرة معزولة. فاستقرار سوريا يؤثر على الأردن. وأمن لبنان يؤثر على استقرار المنطقة. وأمن الخليج جزء أساسي من الأمن العربي. وأمن فلسطين في صميم الأمن الأردني والإقليمي.
ولهذا فإن الحديث الملكي عن هذه الملفات لم يكن خروجاً عن الموضوع، بل كان تأكيداً على حقيقة جيوسياسية يعرفها الأردن جيداً . أزمات المنطقة مترابطة، وبالتالي فإن حلولها يجب أن تكون مترابطة أيضاً.
وربما هنا تحديداً حمل الخطاب رسالة تستحق اهتماماً أكبر مما نالته.
فالحروب لا تقتل البشر فقط.
إنها تقتل فرص الاستثمار.
وتضرب التجارة.
وترفع كلفة الطاقة.
وتؤثر على أسعار الغذاء.
وتعطل سلاسل الإمداد.
وتزيد أعباء الدول والمجتمعات.
وبالتالي فإن الاستقرار السياسي ليس ترفاً دبلوماسياً، وإنما شرط من شروط النمو الاقتصادي.
لقد وضع جلالة الملك هذه الحقيقة أمام العالم بوضوح: ما يحدث في الشرق الأوسط لا يبقى في الشرق الأوسط.
فالاقتصاد العالمي اليوم مترابط إلى درجة تجعل أزمة إقليمية قادرة على الوصول إلى المستهلك في أقصى العالم. وهنا يصبح تحقيق السلام في الشرق الأوسط مصلحة اقتصادية عالمية، وليس فقط مطلباً سياسياً عربياً.
من الرسائل التي تستحق التوقف عندها أيضاً أن جلالة الملك لم يقدم الأردن بوصفه دولة محاصرة بالأزمات فقط.
بل قدمه بوصفه دولة تمتلك رؤية للمستقبل.
الأردن يريد أن يكون مركزاً للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، وجسراً بين المنطقة والعالم، وشريكاً في الاستقرار والتنمية.
وهذه الرسالة الاقتصادية لا تقل أهمية عن الرسائل السياسية. فالأردن يقول لشركائه الدوليين:
نعم، نتحمل أعباء إقليمية كبيرة. لكننا لا نريد أن يُختصر الأردن في أعباء الأزمات. نريد أن يُنظر إليه باعتباره دولة فرص، ودولة استقرار، ودولة يمكن أن تكون جزءاً من الحل الاقتصادي الإقليمي.
وسط كل هذا التعقيد السياسي والأمني، بقي الإنسان حاضراً في خطاب جلالة الملك. وهذه ربما إحدى أكثر النقاط التي تمنح السياسة الخارجية الأردنية خصوصيتها. فاللاجئ ليس رقماً. والطفل الذي يعيش الحرب ليس تفصيلاً. والمريض الذي يبحث عن مستشفى ليس ورقة تفاوض. والجائع لا ينبغي أن ينتظر انتهاء المفاوضات كي يحصل على الطعام.
لقد أكد جلالةً الملك أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها أن تصنع السلام، وأن العالم يحتاج إلى استعادة قدرته على التعاون في مواجهة الحروب والفقر والهجرة والمناخ والتحديات الجديدة التي فرضها التطور التكنولوجي. وهذه ليست مثالية سياسية. بل هي، في عالم شديد الترابط، واقعية جديدة.
بعد كل ما قيل، ربما يكون السؤال الأكبر الذي تركه خطاب جلالة الملك مفتوحاً أمام العالم هو:
هل ما زال النظام الدولي قادراً على حماية القواعد التي وضعها بنفسه؟
فحين تتراجع الثقة بالقانون الدولي، لا تكون الخسارة فلسطينية أو عربية فقط.
وحين يشعر العالم بأن المعايير ليست واحدة، تتآكل الثقة بالمؤسسات الدولية.
وحين تفقد الدول الصغيرة إيمانها بأن القانون يمكن أن يحميها، تصبح القوة وحدها هي اللغة التي يتوقع الجميع أن يتحدث بها. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للنظام الدولي.
ومن هنا جاءت أهمية خطاب جلالة الملك . فالأردن، بحجمه وإمكاناته، اختار منذ عقود أن يجعل الدبلوماسية والقانون والحوار أدوات أساسية في حماية مصالحه. ولذلك فإن الدفاع عن القانونالدولي بالنسبة للأردن ليس خطاباً مثالياً؛ بل هو جزء من مصلحته الوطنية.
بعد سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي، يتعلم المرء أن قوة الخطاب السياسي لا تقاس بعدد الكلمات العالية فيه، وإنما بقدرته على وضع القضايا في أماكنها الصحيحة.وما فعله مواليد جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم حفظه الله هو أنه جمع خيوطاً تبدو متفرقة في مشهد واحد:
فلسطين.
غزة.
الضفة الغربية.
القدس.
سوريا.
لبنان.
أمن الخليج.
الأمن الأردني.
المياه.
الطاقة.
الاقتصاد.
اللاجئون.
القانون الدولي.
والإنسان.
ثم وضعها أمام العالم باعتبارها أجزاء من أزمة واحدة عنوانها غياب الحلول السياسية العادلة وتراجع الثقة بالنظام الدولي.
لهذا أعتقد أن قراءة خطاب جلالة الملك لا ينبغي أن تتوقف عند العناوين السياسية المباشرة. فالرسالة الأعمق كانت أبعد من ذلك. إنها رسالة دولة تقول للعالم: نحن لا نريد شرق أوسط تحكمه القوة وحدها، ولا نريد سلاماً مؤقتاً، ولا نريد أن تصبح المأساة الإنسانية أمراً اعتيادياً، ولا نريد أن يتحول القانون الدولي إلى نصوص جميلة في الكتب.
نريد سلاماً يقوم على العدالة، وأمناً يقوم على القانون، واقتصاداً يقوم على الاستقرار، ومستقبلاً لا يُترك فيه الإنسان رهينة للحرب والسياسة والجغرافيا.
وفي زمن أصبحت فيه السياسة الدولية أكثر صخباً وأقل يقيناً، كان صوت الأردن اليوم واضحاً.
صوت دولة صغيرة في المساحة، كبيرة في مسؤوليتها، تعرف أن الدبلوماسية ليست مجاملة، وأن الاعتدال ليس ضعفاً، وأن الصمت في اللحظات المفصلية قد يكون موقفاً بحد ذاته.
ومن على منبر الأمم المتحدة، اختار الأردن أن يتحدث. ليس ليطلب من العالم أن ينظر إليه فقط، بل ليذكّر العالم بما ينبغي ألا يغيب عن نظره. فالسلام الذي لا يقوم على العدالة لا يدوم، والأمن الذي لا يحمي الإنسان لا يستحق أن يسمى أمناً، والنظام الدولي الذي لا يحمي قواعده يفقد، مع الوقت، سبب وجوده .
يبقى الأهم أن خطاب جلالته كان بمثابة رسالة واضحة بأن الأردن سيظل صوتاً للعقل والحكمة والعدالة، متمسكاً بالسلام، مدافعاً عن الإنسان، ومؤمناً بأن قوة الدول لا تُقاس بحجمها، وإنما بقدرتها على حماية مبادئها ومصالحها وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
المدير العام
مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me

