القبول الموحد يكشف إختلالات نظام الحقول.. ترقيع بالقطعة وعودة من الباطن إلى علمي وأدبي وصناعي.. !


د. مفضي المومني

 

خرجت نتائج الجولة الأولى من القبول الموحد 2026/2027، وانتهى معها زمن الكلام النظري عن نظام الحقول، وبدأ الامتحان الحقيقي: ماذا فعل النظام بالطلبة؟ وهل وسّع خياراتهم فعلًا، أم ضيّقها ثم بدأنا نعالج تضييقها بالاستثناءات والترقيعات؟… وهي سيناريوهات توقعتها في مقالي السابق… وظهر بعضها… فتح تخصصات جديدة… فتح القبولات مرة اخرى… ودمجها مع سوء الأختيار للتمويه… وكذلك اكتشفت الوزارة أن طلبة الصحي يمكن أن يكونوا مهندسين مجالات طبية..! لأنهم درسوا احياء وكيمياء…وتغافل الناطق باسم الوزارة عمداً عن نقص الرياضيات والفيزياء وهي مواد أساسية إجبارية لمن يدرس هندسة…ويبدو أن المعالجة لم تعلن… لتفادي الاحتجاجات؛ وقد يكون اتفاق ضمني مع الجامعات لإضافتها كمواد استدراكية لتغطية العيب الواضح… وإذا مرر الأمر دون ذلك ستكون سابقة عالمية في تاريخ دراسة الهندسة… على شرف نظام الحقول المبجل..!.
وكذلك لبقية الإستثناءات الجديدة..!.

الأرقام تقول إن 71,014 طالبًا وطالبة تقدموا بطلبات صحيحة للقبول الموحد، رُشّح منهم 46,355 بنسبة 65%، فيما بقي 24,686 طالبًا وطالبة دون قبول جامعي، أي 35%، خارج الترشيح. وللمقارنة، كانت نسبة المقبولين 68% في 2024/2025، و62% في 2025/2026.
كما أن أكثر من 56% من المقبولين حصلوا على أحد خياراتهم الخمسة الأولى.

لكن القضية ليست فقط كم طالبًا قُبل، وإنما كيف أثّر نظام الحقول في خيارات الطالب ومساره الجامعي؟… ويتجاهل الناطق أن الخيارات تم تقزيمها مسبقاً..وإجبر عليها الطالب دون رغبته أو ميوله… بسلطة الحقول وأتباعها..!.

لقد قيل لنا إن نظام الحقول سيوسع الخيارات، لكن التطبيق كشف شيئًا آخر. فالحقل الصحي أصبح يفتح الباب أمام أكثر من 151 تخصصًا وهي مكرره، والحقل الهندسي أمام أكثر من 177 تخصصًا ومكررة أيضا في الجامعات، وبعد إدخال تعديلات وإلحاقات جديدة لستر عورة الحقول؛ فأُلحقت تخصصات الأحياء والكيمياء بالحقل الصحي، وأصبح بإمكان طلبة الحقل الهندسي التقدم لتخصصات الفيزياء والجيولوجيا والرياضيات إلى جانب التخصصات الهندسية…واغفل الناطق طلبة الحقل الهندسي الذين معدلاتهم اقل من 80..وانعدام الخيارات لهم… وكذا بقية الحقول… طبعاً حلول بالقطعة لا تغطي شمس الفشل بغربال مع كل الإبتسامات الموزعة…! .

وهنا السؤال الذي لا يجوز الهروب منه ووجب أخذه بعين الإعتبار مسبقاً:
إذا كان الطالب يحتاج إلى الرياضيات والفيزياء أساسًا للتخصصات الهندسية، فلماذا لا تكون هذه المواد جزءًا واضحًا من البناء العلمي الذي يؤهله لها؟ وإذا كانت التخصصات الصحية تحتاج قاعدة علمية متينة، فهل يكفي أن نوسع الحقل ونضيف تخصصات ومواد لاحقًا لمعالجة المشكلة؟

المشكلة ليست في فتح الخيارات من حيث المبدأ، بل في الانسجام بين ما يدرسه الطالب في المدرسة وما سيحتاجه في الجامعة…والخيارات المناسبة والتي تعوض نقص المعدل بتوسيع الخيارات..!.

والأمر نفسه ينطبق على انتقالات أخرى بين الحقول، ومنها فتح مسارات من الحقل الشرعي والقانون باتجاه اللغة العربية وغيرها.
كل إضافة جديدة، وكل استثناء جديد، يطرح السؤال ذاته: هل صُممت الحقول أصلًا وفق خريطة التخصصات الجامعية ومتطلباتها، أم أننا صممنا الحقول أولًا ثم بدأنا بعد ذلك نبحث عن مخارج لمشكلاتها؟

والدليل أن وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أصبحت أمام واقع يحتاج إلى تعديلات متتالية حتى يصبح النظام قابلًا للتطبيق…واكرر توقعتها كسيناريوهات في مقالي السابق… وبدأت تظهر…!، بدبلجة مصطنعة توهم بأن الاجراءات عادية… ولم يذكر الناطق أو الوزير أن الحقول فيها أخطاء لتاريخه…!

جوهر المشكلة: عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، يصبح النظام بحاجة إلى إعادة نظر، لا إلى استثناء جديد…ومشكلة تخلق أخرى..!.

أما الطب… فقصة أخرى!

ملف الطب يكشف جانبًا آخر من التخبط في سياسة القبول.

من جهة، جرى تقليص أعداد القبول في الطب في الجامعات الرسمية، ثم جاء القرار الأخير ليعيد رفع الأعداد؛ فأصبح القبول في البرنامج العادي 840 طالبًا بدلًا من 640 في الطب، و400 بدلًا من 320 في طب الأسنان، مع زيادة النسبة المخصصة للبرنامج الموازي، وزيادة أعداد القبول في الجامعات الخاصة بواقع 20 طالبًا في الطب و20 في طب الأسنان في كل جامعة.

والوزارة ومجلسها تقولان إن الهدف من زيادة المقاعد هو الحد من توجه الطلبة الأردنيين لدراسة التخصصات الطبية خارج الأردن، وتوفير الأموال التي ينفقها الطلبة على الدراسة في الخارج، مع دراسة رفع الحد الأدنى لمعدل القبول لدراسة التخصصات الطبية خارج الأردن.
لكن السؤال المشروع هنا:
لماذا وصلنا أصلًا إلى هذه المعادلة؟
ونغفل التخطيط الكلي لكل التخصصات واختزاله بالطب..!،
ونغفل ميول وقدرات أصحاب المعدلات التسعينية.. المرتفعة… ونحرمهم من دراسة الطب دون تبرير علمي او تربوي.. (هيك قررانا.. انها وصاية لم يوكلكم بها إحد… كيف تحرمني من حقي.. ؟ وأنا لا اجبرك على توظيفي حين اتخرج..! لا منطق…!).
طالب أردني يحصل على معدل مرتفع جدًا، وقد بلغ أدنى معدل تنافسي للطب في الجامعات الرسمية هذا العام 97.6% في مؤتة، ووصل إلى 99.3% في الجامعة الأردنية، و99% في العلوم والتكنولوجيا، ثم يجد أن فرصه في الطب في الجامعات الرسميةمحدودة جدًا. ماذا يفعل؟

إما أن يذهب للجامعات لخاصة بكلف مرتفعة جداً، وقد لا يملكها، أو يبحث عن مقعد خارج الأردن؛ في مصر أو غيرها من الدول، ومنها دول في أوروبا الشرقية…بكفة أقل… أو بدول غربية مرتفعة التكاليف ولديه القدرة… خيارات مفتوحة… لماذا نغلقها… ونقزم كليات الطب في جامعاتنا الرسمية وقد أنفق عليها الملايين.. وتم ابتعاث المئات ..لتأتي الوزارة ومجلسها… وتغلق الباب… بغير نظرة وحسابات وطنية.

والمفارقة: نضيّق القبول في الداخل، فيتجه الطالب إلى الخارج؛ ثم نرفع القبول في الجامعات الخاصة، ونزيد المقاعد لاحقًا، ونفكر في تقييد دراسة الطب خارج الأردن!… ونتوسع في التراخيص… ولا ننسى أنكم ذاتكم من رخص ثلاث جامعات طبية مرة واحدة..!.

الجودة التي تختبئ القرارات خلفها كيف نفهمها إذا كان لدينا هيئة اعتماد وجودة وتضبط الجامعات و يتم التأكد من جودة التعليم والطاقة الاستيعابية ومعايير الاعتماد، وهذه اعتبارات أساس عملها..! .
سؤال آخر: هل كانت سياسة القبول المتبعة مستقرة ومدروسة ومؤسسية من البداية، أم أننا نتحرك كل عام وفق ردات الفعل ونتائج الأزمة التي أنتجتها قرارات العام السابق؟ أو تغيير الوزراء… وكل له مزاج وتوجهات يفرضها ..!.

القبول الموحد كشف المشكلة ولم يصنعها
نحن أمام 607 تخصصات بكالوريوس مطروحة في الجامعات الحكومية والجامعة الإسلامية العالمية ضمن القبول الموحد، ومع ذلك فإن الطالب في نظام الحقول لا يتعامل مع هذه الخريطة الواسعة بحرية، لأن الحقل الذي اختاره في المدرسة أصبح بوابة تحدد ما يستطيع المنافسة عليه…إضافة للامكانات المادية التي تحد من خيارات موجودة في جامعات خارج محافظة الطالب..!. وهنا تناقض واضح:
نقول للطالب: اختر مبكرًا.
ثم عندما يختار، نكتشف أن اختياره أغلق أمامه تخصصات أخرى…بفعل الحقل… والمكان والامكانات المادية..!.
ولتدارك اخطاء الحقول؛ نبدأ بفتح الاستثناءات.
ثم نعيد توزيع التخصصات على الحقول…!
ثم نضيف مواد…!.
ثم نغير شروطًا هنا وهناك….!
ثم نعدل أعداد القبول… !

وهكذا يتحول النظام من إصلاح مخطط إلى ورشة تعديلات مفتوحة… !
وهذا ما نسميه الترقيع بالقطعة.

المشكلة ليست في أن تتراجع الوزارة أو تعدل قرارًا؛ فالتراجع عن قرار ثبتت مشكلاته شجاعة ومسؤولية. المشكلة في أن نستمر في الدفاع عن نظام، بينما التطبيق نفسه يجبرنا على تفكيك قواعده قطعة بعد أخرى… وتجرنا التعديلات إلى ما كنا عليه…!.

والأخطر أن الوزير والناطق والمجلس يشيحون بوجههم ويتجاهلون… أن هذه التراجعات تقودنا عمليًا إلى ما يشبه النظام السابق بكل تفاصيله.

فإذا كان الحقل الصحي يحتاج إلى الأحياء والكيمياء، والهندسي يحتاج إلى الرياضيات والفيزياء، والشرعي يفتح أبوابًا للغة العربية، ثم نعيد توسيع الخيارات وتعديل المسارات… فما الذي بقي من فلسفة الفصل الصارم بين الحقول؟ الذي كان مبرركم لنظام الحقول… والذي بدأ يتلاشى عملياً… عائداً لاصله الأصيل علمي ادبي صناعي..
الصورة التي عرفها الأردنيون طويلًا… لكنكم تريدون منا أن نغمض أعيننا… لكي لا تقولوا أخطئنا..!.
فكل تعديلاتكم من إضافات، وأسماء جديدة، وقواعد جديدة، واستثناءات جديدة، وتعقيدات جديدة، وكلف اجتماعية ومالية ونفسية وتعليمية يدفع ثمنها الطالب والأسرة…؛ هي نتائج نظام الحقول صنيعتكم..!.

المطلوب… مراجعة لا مكابرة
المطلوب اليوم ليس الدفاع عن نظام الحقول لأنه قرار اتُخذ، ولا الاستمرار في ترقيعه حتى يصبح شيئًا آخر… سيمررها الاردنيون لكم هذا العام…!
ولكن يبقى المطلوب
مراجعة شاملة محايدة وشفافة لتجربة الحقول بعد أول تطبيق فعلي لها في القبول الجامعي:
ماذا حدث للخيارات؟
كم طالبًا أُغلقت أمامه تخصصات بسبب الحقل؟
كم استثناءً احتجنا؟
ما حجم التعديلات التي أدخلت على قواعد النظام؟
وهل أصبح النظام أكثر بساطة وعدالة، أم أكثر تعقيدًا؟
والإجابات سلبية حكماً…
ثم ننتقل إلى السؤال الأكبر:
هل نحتاج فعلًا إلى نظام حقول بهذا التعقيد، أم إلى نظام ثانوي واضح ومرن، مع توجيه مهني وأكاديمي حقيقي يبدأ مبكرًا، ويترك للطالب مساحة أوسع للاختيار؟

التعليم ليس حقل تجارب غير ناضجة أو مدروسة يعوزها التخطيط، والطلبة ليسوا ارقاماً أو موادًا قابلة لإعادة التوزيع حيثما اتفق… وكل ذات تعثر للحقول.

القبول الموحد كشف أن المشكلة لم تعد نظرية. لقد انتقلت من الورق إلى مقاعد الجامعات، ومن القرارات إلى مستقبل آلاف الطلبة.

ولذلك فإن المطلوب ليس تراجعًا بالقطعة، ولا استثناءً هنا وتعديلًا هناك…ومؤتمرات صحفية تجمل المشهد وتغفل ثلثي الحقائق العاثرة..!.

المطلوب تراجع شجاع وكامل عن الخلل، وإعادة بناء النظام على أساس علمي وتربوي واضح، حتى لو قاد ذلك إلى العودة إلى نظام علمي وأدبي وصناعي بعد تطويره وتحديثه بشكل مدروس لا متعوس.

التراجع عن الخطأ ليس هزيمة…

الهزيمة أن نعرف أن الطريق غير صحيح، ثم نستمر في السير فيه لأننا لا نريد الاعتراف بأننا أخطأنا…وندفن الرؤوس في الرمال… ونتغافل عن المحسوس… ونستغفل الآخر… فقط لأن اختراع الحقول من صنعنا..!.
اعتقد أن الحل لم يعد في الوزير والوزارة والمجلس… عقل الدولة يجب أن يعيد الأمور إلي نصابها… وزارة التعليم ليست وزارة تموين.. !
حمى الله الاردن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.