بعدما تحولت التأشيرات إلى سلاح لإهانة الدول .. هل حان وقت نقل مقر الأمم المتحدة خارج امريكا ؟

مهدي مبارك عبدالله
تأسست منظمة الأمم المتحدة غداة الحرب العالمية الثانية لتكون برلماناً عالمياً جامعاً للبشرية وملاذاً دبلوماسياً محايداً تُصان فيه سيادة الدول وتحترم التعددية السياسية بعيداً عن منطق الهيمنة والإخضاع القسري وإن الرسالة السامية لهذه المنظمة الدولية تفرض بالضرورة توفير بيئة جغرافية وسياسية مستقلة تضمن لجميع قادة العالم والوفود الرسمية حق الوصول الحر والآمن إلى منابرها دون قيد أو شرط تماشياً مع الروح الأخلاقية للمواثيق الدولية التي تعنى بخدمة المجتمع الإنساني برمته غير أن الواقع الميداني والسياسي المعاصر يثبت أن هذه المنظمة قد تحولت بمرور العقود إلى رهينة جغرافية مستلبة الإرادة تحت وطأة الاستعمار المكاني الأمريكي الفج الذي يستغل وجود المقر على أراضيه ليمارس أبشع صور الابتزاز السياسي وتصفية الحسابات الثنائية ضد الدول والشعوب المتمسكة بقرارها السيادي المستقل ورفضها للسياسات الامريكية المنحازة .
المدقق في السلوك السياسي للإدارات الأمريكية المتعاقبة يدرك على الفور حجم الخرق القانوني الصارخ الذي ترتكبه واشنطن بحق اتفاقية المقر المبرمة عام 1947 والتي تلزم الدولة المضيفة قانوناً بتسهيل منح تأشيرات الدخول لجميع وفود الدول الأعضاء دون إبطاء أو رسوم مادية وإن تحويل هذه الاتفاقية الملزمة إلى ورقة ضغط أحادية الجانب وسلاح سياسي مشروع لحجب التأشيرات يعكس عقلية امريكية استعلائية واستبدادية تتعامل مع المنظمة الدولية كملحق إداري تابع لوزارة الخارجية الأمريكية او ولاية نيويورك وليس ككيان عالمي مستقل يفترض فيه الحياد المطلق والنأي بالنفس عن الصراعات السياسية الضيقة بين العواصم المختلفة.
لعل الشاهد التاريخي الأكثر وضوحاً وصدمة على هذا السلوك المتعجرف هو ما تعرضت له القيادة الفلسطينية مراراً وتكراراً حيث رفضت إدارة الرئيس رونالد ريجان في عام 1988 منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول لإلقاء كلمته مما اضطر الجمعية العامة للأمم المتحدة حينها إلى نقل جلساتها بالكامل إلى مدينة جنيف السويسرية في سابقة دولية فضحت عورة الضيافة الأمريكية ونشوزها الرخيص وقد تكرر المشهد ذاته بحذافيره المأساوية في سبتمبر / ايلول الحالي لعام 2026 حيث واصلت إدارة الرئيس دونالد ترامب للعام الثاني على التوالي حظر دخول الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد المرافق له لمنعهم من نقل صوت شعبهم الرازح تحت وطأة الاحتلال وحرب الإبادة الجماعية والحصار الشامل مما دفع الجمعية العامة للتصويت بأغلبية 152 دولة للسماح له بإلقاء كلمته عبر تقنية الفيديو الافتراضية .
على ذات الخطى لم تسلم الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية من مقصلة هذا الابتزاز الدبلوماسي الامريكي المشين حيث شهدت أروقة الجمعية العامة في الدورة الحالية الواحد والثمانين تعليقاً أمريكياً متعمداً لتأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وربطتها بشروط سياسية وإملاءات ميدانية تتعلق بالنزاع السوداني الداخلي ما يثبت عمليا إن هذا الأسلوب المرفوض في حجب التأشيرة أو تأخيرها حتى اللحظات النهائية لأسباب تتعلق بالعقوبات الأحادية قد دفع القيادة السودانية لإلغاء الحضور الرسمي والاستعاضة بوزير الخارجية لإلقاء الكلمة مما يكشف بوضوح كيف توظف واشنطن الجغرافيا لفرض شروطها السياسية الباطلة وتجريد رؤساء الدول من حقهم القانوني المكتسب بموجب ميثاق الأمم المتحدة .
في ذات السياق الاستهدافي الممنهج ايضا يبرز الملف الإيراني كهدف دائم لسلاح التأشيرات الأمريكي حيث واصلت واشنطن في اجتماعات هذا العام تضييقها الخانق عبر حظر الوفد الإعلامي وفريق الاتصال المرافق للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وحرمانهم من ممارسة دورهم الصحفي في نقل الحدث العالمي ويضاف هذا الإجراء التعسفي إلى السجل الحافل بالانتهاكات السابقة التي شمل بعضها منع السفير الإيراني حميد أبو طالبي من تسلم مهامه عام 2014 وحظر تحركات وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف والوفد المرافق له وفرض قيود صارمة على حركتهم وحصر تواجدهم في الأمتار القليلة المحيطة بمبنى المنظمة الدولية لمنعهم من التواصل مع الرأي العام المحلي والدولي .
مسارات الحظر والتقليص الدبلوماسي الأمريكي البغيض امتدت محطاته ليشمل وفوداً كاملة من كوبا وفنزويلا وروسيا حيث تعمدت السلطات الأمريكية إلى رفض منح التأشيرات للوزراء والمستشارين والفرق الفنية المرافقة لرؤساء هذه الدول بهدف شل حركتهم وتعطيل قدرتهم على التفاوض وبناء التحالفات داخل اللجان الأممية وهذا السلوك الإقصائي في حقيقته لا يمثل اعتداءً على الدول المستهدفة فحسب بل هو تخريب متعمد للرسالة الأممية حيث يسعى من خلاله البيت الأبيض إلى هندسة الحضور الدولي داخل القاعات لتبدو مواقف وقرارات وصور الوفود منسجمة كليا مع الرؤية والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها .
الغريب انه حتى بعض دول القارة الإفريقية لم تنج من طعنات الغدر ومحاولة فرض السيطرة الأمريكية حيث شهدت الدورة الحالية للأمم المتحدة حظراً غير معلن استهدف تقليص الوفد الرسمي لدولة أوغندا من خمسين مسؤولاً وخبيراً إلى خمسة أفراد فقط بذريعة الإجراءات التنظيمية والصحية الواهية التي تخفي في طياتها رغبة واشنطن في معاقبة العواصم الإفريقية التي تتبنى مواقف سيادية مستقلة أو ترفض الانصياع للإملاءات الثقافية والسياسية الامريكية والغربية وإن مثل هذه الانماط البئيسة والمتكررة من حالات التضييق الامريكي تبرهن على أن وجود مقر الأمم المتحدة في نيويورك بات يمنح الإدارة الأمريكية سلطة وظيفية مطلقة لتصفية حساباتها مع دول الجنوب العالمي وتحويل المنبر الدولي إلى منصة محتكرة وموجهة بالتعسف القوة .
الكثيرين من الخبراء والمختصين يؤكدون إن بقاء مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك يعني استمرار الارتهان الكامل للسيادة الدولية لعواصف المزاج الانتخابي والسياسي الداخلي في واشنطن كما يظهر أن المنظومة العالمية ستبقى تعيش تحت سيف التهديد الدائم بالتمويل المشروط والمنع اللوجستي وحرب التأشيرات كما إن الجغرافيا الحالية للمقر تكرس حالة من الاستعمار غير المعلن تتيح للأجهزة الأمنية الأمريكية ممارسة الرقابة والتجسس على الوفود الدبلوماسية وفرض قيود مهينة على تحركاتهم مما يسلب المنظمة الدولية هيبتها المفترضة ويجعل من مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء مجرد كذبة لغوية تداس يومياً بأقدام الموظفين في مطارات نيويورك .
على النقيض تماماً يعتبر نقل المقر الدبلوماسي للأمم المتحدة أو وكالاتها الكبرى إلى أي دولة أخرى محايدة كسويسرا أو النمسا أو أي دول صاعدة في آسيا وإفريقيا ولادة جديدة متعددة الأطراف وتدشيناً لعصر التحرر من الهيمنة الامريكية الأحادية لإن فكرة نقل المقر إلى مدن مثل جنيف أو فيينا أو حتى الجنوب العالمي ستضمن لجميع قادة العالم دون استثناء حرية الحركة والأمان الكامل وحق التعبير دون الخوف من قرارات المنع أو الابتزاز المالي مما يعيد للمنظمة مكانتها المعتبرة وتوازنها المفقود ويعزز ميزان القوى الدولي الفعلي ويحطم مرآة الغطرسة الامريكية والغربية المهترئة .
اللافت عمليا ان المنظومة الدولية بدأت بالفعل في استشعار خطورة هذا الارتهان الجغرافي حيث تشهد المرحلة الحالية تحركات هيكلية وموجات نزوح لعدد من الوكالات والمنظمات الأممية الكبرى من نيويورك باتجاه عواصم أكثر رعاية وحياداً تماشياً مع خطة الإصلاح الهيكلي للمنظمة وان التوجه الفعلي لنقل المقرات العالمية لمنظمات عملاقة مثل اليونيسف وصندوق الأمم المتحدة للسكان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة نحو العاصمة الكينية نيروبي بحلول نهاية هذا العام يعبر عن رغبة دولية عارمة في كسر طوق الاحتكار المالي والسياسي الأمريكي ونقل مراكز القرار إلى مساحات جغرافية ارحب تحترم التعددية وتلتزم بتقديم التسهيلات الأمنية والدبلوماسية لجميع الوفود على حد سواء .
لعل التطور الاهم في عملية الرحيل الهيكلي انها لم تتوقف عند حدود القارة الإفريقية بل امتدت نحو عمق القارة الأوروبية ايضا حيث أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن نقل مئات الوظائف والمراكز الحيوية من نيويورك نحو مدينتي بون الألمانية ومدريد الإسبانية بالإضافة إلى تعزيز الفروع الإقليمية في آسيا وأمريكا اللاتينية والذي يجب فهمه في هذا الصدد إن هذا التفكيك التدريجي لمركزية نيويورك اصبح يمثل خطوة استراتيجية شجاعة تؤكد أن المجتمع الدولي بات يضيق ذرعاً بالاستعلائية الأمريكية والتهديدات المستمرة بقطع التمويل أو سحب الاعتراف بالمنظمات التي لا تتبنى الرواية الصهيونية والغربية للأزمات الدولية والحروب الراهنة.
بالتحليل والتدقيق الاعمق للقضية نجد إن استمرار الولايات المتحدة في استخدام القوانين المحلية والتشريعات الداخلية لفرض عقوبات على قادة ومسؤولي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف حرمانهم من الحضور يمثل انتهاكاً جسيماً للاتفاقيات الدولية واعتداءً مباشرة على حق قادة الشعوب الاساسي في التعبير عن مواقفهم فوق المنصة العالمية كما إن تصاعد هذا التسييس الممجوج للوظيفة اللوجستية للدولة المضيفة يحول أمريكا من شريك دولي إلى كيان مارق ومأزوم يخرق العهود والمواثيق ويستبدل لغة القانون الدولي بقوانين البلطجة وفرض الإتاوات السياسية التي تسلب المنظمة الدولية استقلاليتها وحيادها ومصداقيتها أمام الرأي العام العالمي .
إمام تنامي وتصاعد هذه الغوغائية والهمجية الامريكية فان العالم اليوم بكل قواه الصاعدة في الشرق والغرب والجنوب اصبح مطالب بوقفة تاريخية حازمة لإنهاء هذا الاستهتار والعبث ومواجهة الاستعمار الأمريكي للأمم المتحدة عبر فرض مسارات بديلة تضمن تحرير القرار الأممي من قبضة وهيمنة واشنطن لآن بقاء الصمت الدولي على حظر الوفود الفلسطينية والسودانية والإيرانية يشكل سابقة خطيرة تجعل من أي دولة تختلف مع السياسة الأمريكية عرضة للمنع والإقصاء في المستقبل ولهاذا فإن تنويع التوزيع لمقار الاجتماعات ونقل الجلسات الحيوية إلى عواصم محايدة هو الخطوة العاجلة والضرورية لكسر الاستبداد الدبلوماسي الامريكي الارعن وحماية النظام العالمي من التفكك الكامل الذي تريده واشنطن .
في الختام : تبرز في الافق امانة ايصال الحقيقة الصادقة كرسالة صارمة ومباشرة موجهة إلى الإدارة الأمريكية وللرئيس ترامب المتهور والمنفلت في اعتداءاته وتجاوزاته لتذكره بأن هذه المنظمة الدولية بكل مقارها ومؤسساتها لا تتبع لواشنطن ولا تقع ضمن أملاك عقاراته الخاصة ولا يحق له إدارتها بعقلية التاجر الجشع او صالات القمار أو نوادي الابتزاز المالي لإن المجتمع الدولي لن يظل متفرجاً على تحويل ميثاق الأمم المتحدة إلى مجرد حبر على ورق لا قوة وتاثير وبناء عليه يجب مطالبة واشنطن باحترام التزاماتها وتسهيل مهمات الوفود وتوفير الأمن لجميع الاعضاء والوفود والعاملين دون تمييز أو تصفية حسابات سياسية معادية حيث لم تعد المسالة تطال مطلب دبلوماسي بل باتت معركة وجودية لاستعادة هيبة القانون الدولي وتحرير الإرادة العالمية من قيود البلطجة الأمريكية التي يأخذ بها البيت الأبيض العالم نحو الفوضى والدمار بانتظار يوم النصر الذي تطرد فيه نيويورك من جغرافيا الأمم المتحدة وتستعيد فيه الإنسانية برلمانها الحر والمستقل ليعمل لصالح الدول والشعوب .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

