بعد الرفض الأمريكي للمقترح الإيراني .. إلى أين تتجه المنطقة بين حافة الهاوية ولعبة القنوات الخلفية

مهدي مبارك عبدالله
حملت الدبلوماسية القطرية في الساعات الأخيرة مقترحاً إيرانياً جديداً وصاغته طهران بذكاء تكتيكي ليكون بمثابة مبادرة شاملة تهدف إلى كسر الجمود المحيط بالملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية مقابل تقديم كشف تفصيلي طوعي ومجدول لبعض الأنشطة التقنية وتوفير ضمانات رقابية إضافية لمنظمة الطاقة الذرية تعكس تمسك إيران الصارم بمسار الدبلوماسية لتفويت الفرصة على دعاة الحرب إلا أن الرئيس دونالد ترامب سارع إلى إجهاض هذا الزخم الدبلوماسي برفض المقترح فوراً مدفوعاً بتقديرات أمريكية ترى في العرض مجرد محاولة لربح الوقت والالتفاف على العقوبات القاسية دون تقديم تنازلات جوهرية تفكك مفاصل برنامجها ونفوذها الإقليمي ليتبين سريعاً أن هذا المقترح ولد ميتاً بالنظر إلى الفجوة الهائلة في الثقة وتعارض الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين.
المقترح الإيراني الجديد تضمن استعداد طهران لتجميد مؤقت لعمليات تخصيب اليورانيوم عند نسب النقاء العالية وحصرها في حدود الاستخدامات السلمية والطاقة والطبابة مع الموافقة على عودة المفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنحهم صلاحيات رقابية أوسع تشمل المنشآت الحساسة عبر نظام مراقبة مستمر ومباشر مقابل الحصول على التزام أمريكي متبادل ومكتوب برفع فوري وتدريجي للعقوبات المفروضة على قطاعي النفط والمصارف وتجميد الأرصدة الإيرانية المحتجزة في الخارج لضمان انسيابية حركة التجارة وتأمين عوائدها الاقتصادية الوطنية.
المبادرة الايرانية حظيت بترحيب وإشادة واسعين من مختلف القوى الإقليمية والدولية التي رأت فيها نافذة أمل حقيقية لنزع فتيل أزمة عالمية كبرى تعصف بأمن الطاقة والملاحة الدولية حيث بدا الموقف البراغماتي الإيراني متناغماً مع تطلعات المجتمع الدولي المنهك من استمرار الحروب وصراعات المحاور مما جعل الرفض الأمريكي السريع والقطعي يبدو في نظر الكثير من المراقبين والعواصم العالمية كمظهر متجدد للغطرسة السياسية والهيمنة الأحادية التي تمارسها واشنطن وهي غطرسة تتجاهل بوعي كامل خطورة إغلاق النوافذ الدبلوماسية وتداعيات ذلك على دفع المنطقة برمتها نحو حافة الهاوية.
أمام هذا الصلف الأمريكي لم تقف طهران مكتوفة الأيدي بل أرسلت إشارات واضحة ومباشرة تؤكد من خلالها أنها أعدت العدة وهيكلت قدراتها العسكرية واللوجستية لمواجهة كافة سيناريوهات الحرب المفتوحة ومواصلة الصراع إذا فرض عليها حيث يدرك القادة الإيرانيون أن التلويح الدبلوماسي يجب أن يستند إلى قوة ردع خشنة قادرة على إيلام الخصوم ولذلك سارعت المؤسسة العسكرية الإيرانية إلى إعادة تموضع أوراقها الميدانية والتأكيد على جاهزية خطوطها الدفاعية والهجومية مما يعكس بوضوح أن إيران لا تتفاوض من موقع ضعف بل من أرضية صلبة تمكنها من مجابهة أي ضغوط اقتصادية أو عسكرية قد تلجأ إليها إدارة ترامب في المرحلة المقبلة.
أبرز الأوراق الاستراتيجية الجديدة التي تلوح بها طهران تتجلى في قدرتها على توسيع رقعة الاشتباك البحري والعملياتي لتمتد إلى ما بعد الخليج العربي وصولاً إلى عمق المحيط الهندي وباب المندب وهو تهديد يحمل في طياته مخاطر كارثية على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها الدول الغربية بشكل أساسي خاصة وان السيطرة الإيرانية غير المباشرة عبر شبكة حلفائها على المضائق المائية الحاكمة تحول هذه الممرات إلى نقاط خنق استراتيجية يمكن تفعيلها في أي لحظة لفرض معادلات اشتباك جديدة وصادمة لواشنطن وحلفائها في المنطقة.
إلاهم استراتيجيا ان امتلاك إيران لهذه الخيارات والسيناريوهات المفتوحة لا يعني بالضرورة رغبتها في تفجير الأوضاع بل هو أسلوب مدروس لإفهام الجانب الأمريكي بأن تكلفة التصعيد ستكون باهظة ومدمرة ولا يمكن لأي اقتصاد عالمي تحملها في الوقت الراهن مما يضع صناع القرار في البيت الأبيض أمام معضلة حقيقية تتأرجح بين الرغبة في إخضاع طهران عبر سياسة الضغط الأقصى وبين الخوف من الانزلاق إلى حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها الأمر الذي يجعل من التلويح بالبحر الأحمر والمحيط الهندي رسالة ردع استراتيجية فائقة الأهمية في حسابات كافة القوى.
على الجانب الاخر تتبلور السيناريوهات الامريكية المتوقعة والخيارات البديلة حول ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية تحكم العقل السياسي في البيت الأبيض حيث يتجلى المسار الأول في تفعيل استراتيجية الردع الاستباقي والضغط الأقصى من خلال فرض حزمة عقوبات اقتصادية ودبلوماسية خانقة جديدة تستهدف شل شبكات الملاحة والتبادل التجاري الإيراني في المحيط الهندي وباب المندب وتكثيف التواجد العسكري البحري الأمريكي في مضيق هرمز بينما يركز المسار الثاني على بناء تحالف أمني إقليمي ودولي واسع يهدف إلى عزل طهران سياسياً وتطويق نفوذها الميداني بالاعتماد على شركاء واشنطن التقليديين وتوجيه ضربات سيبرانية معقدة لتعطيل البنية التحتية للمنشآت النووية والعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية برية مفتوحة في حين يمثل المسار الثالث الذهاب نحو خيار الاحتواء البارد والإبقاء على قنوات الدبلوماسية الخلفية مواربة بانتظار نضوج ظروف سياسية وإقليمية جديدة تجبر طهران على تقديم تنازلات أعمق تمس أمنها الإقليمي ومنظومتها الصاروخية .
مع استعصاء هذه المواجهة الإقليمية والدولية واحتدامها يبدو جلياً أن الحل التفاوضي وحده هو المخرج الوحيد والممكن الذي يمكن أن ينقذ القوى الكبرى والولايات المتحدة تحديداً من المأزق الجيوسياسي الراهن والانسداد السياسي الذي وصلت إليه المنطقة وأن الاستمرار في استخدام القوة العسكرية أو الرهان على انهيار النظام الإيراني من الداخل أثبتا فشلهما على مدار عقود طويلة ولن يؤديا إلا إلى مزيد من الفوضى والدمار في حين يبقى الجلوس على طاولة المفاوضات بإنصاف واحترام متبادل السبيل الآمن غير المكلف لجميع الأطراف المعنية بالأزمة.
رغم كل ذلك فإن الرفض الأمريكي للمقترح الإيراني لا يعني بالضرورة إغلاق ملف التفاوض بشكل نهائي أو إعلان موت الدبلوماسية إلى الأبد بل يمكن قراءته كجزء من حافة الهاوية التكتيكية وعملية إعادة ترتيب الأولويات وصياغة مراكز القوى قبل العودة مجدداً إلى قنوات الاتصال الخلفية لان السياسة الدولية علمتنا أن المواقف المتشددة غالباً ما تسبق التسويات الكبرى وأن كل طرف يحاول رفع سقف شروطه لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في أي اتفاق مستقبلي قد يتم بلورته تحت الطاولة.
عمليا تشير القراءات التحليلية المعمقة إلى أن طهران تدير هذه الأزمة بنَفَس طويل وبناءً على حسابات دقيقة وتجربة مريرة سابقة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة ولذا فإنها لن تقع في فخ الاستدراج أو الاستعجال بل ستستمر في المناورة الدبلوماسية متسلحة بحلفاء دوليين وازنين كالصين وروسيا والذين يرفضون بدورهم ايضا سياسة الإملاءات الأمريكية ويرون في بقاء إيران قوية مصلحة حيوية للتوازن الدولي ومتنفساً لمجابهة الهيمنة الغربية الآخذة في التراجع على الساحة العالمية.
الإدارة الأمريكية لا زالت تجد نفسها محاصرة بين ضغوط اللوبيات الداخلية المتشددة وحلفائها الإقليميين الذين يدفعون بها نحو مواجهة شاملة ومباشرة مع إيران وبين تحذيرات الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية المحترفة التي تنصح بضرورة تجنب التورط في مستنقع جديد بالشرق الأوسط قد يستنزف القدرات الأمريكية وفي نفس الوقت قد يعطي الفرصة للصين للتمدد أكثر في شرق آسيا وهذا التنازع الداخلي في واشنطن يجعل القرار الأمريكي متذبذباً ويميل إلى الرفض اللفظي مع الإبقاء على قنوات التنسيق السرية مفتوحة.
الاحتمال التكتيكي الاقرب ان تقوم الاستراتيجية الإيرانية القادمة على المزاوجة الدقيقة بين الصمود الاقتصادي وتطوير القدرات الدفاعية من جهة وبين استمرار طرح المبادرات السياسية من جهة أخرى لكي تظهر دائماً أمام المجتمع الدولي بأنها الطرف المسؤول والمستعد للسلام مقابل طرف أمريكي متشنج ومعطل للحلول مما يعزز الموقف القانوني والأخلاقي لطهران في المحافل الدولية ويقلل من قدرة واشنطن على حشد تحالف دولي واسع ضدها كما كان يحدث في السابق.
ميدانيا يُتوقع أن تشهد المرحلة القادمة تفعيلاً متصاعداً لشبكة الردع الإقليمية التابعة لطهران ليس بهدف إشعال حرب واسعة بل لشن عمليات نوعية ومحسوبة بدقة توصل رسائل جديدة ومشفرة للإدارة الأمريكية بأن أي تصعيد ضد إيران سيقابله رد فوري مزلزل ومتناسب في ساحات متعددة وهو ما يطلق عليه الخبراء اسم الدبلوماسية الخشنة التي تعتمد على الميدان لفرض الشروط على طاولة المفاوضات السياسية المغلقة.
ختاما : يمكننا التأكيد انه مهما بلغ حجم التشدد والغطرسة الأمريكية وكيفما تصاعدت وتيرة الضغوط والعقوبات فإن إيران لن تتخلى مطلقاً عن شروطها الأساسية ومطالبها المشروعة التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من سيادتها الوطنية وكرامتها القومية غير القابلة للمساومة أو التفاوض حيث ترى طهران أن التنازل عن منظومتها الدفاعية أو حقوقها في الطاقة النووية السلمية يمثل انتحاراً سياسياً واستراتيجياً سيجعلها لقمة سائغة أمام الأطماع الخارجية ولذلك فإن الرفض الأمريكي للمقترح الجديد لن يغير من معادلة الصمود الإيرانية التي استقرت على مدى عقود بل سيعمق القناعة لدى مراكز صنع القرار في طهران بأن الاستسلام لسياسة الإملاءات لن يجلب الامن و الاستقرار وأن امتلاك أوراق القوة الخشنة في الميدان وتفعيل خيارات الردع الممتدة من الخليج إلى المحيط الهندي هي الضمانة الوحيدة والخيار الامثل لإجبار القوى الدولية على احترام سيادتها والاعتراف بمكانتها كلاعب إقليمي محوري لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية وأن أي اتفاق مستقبلي لن يكتب له النجاح والاستمرارية خارج هذا الفهم والتصور .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

